تبتسم السيدة زهر الخطيب أثناء رؤية حفيدها الجديد محمد بين أحضانها، وتتمتم بأذنه "آيات من الذكر الحكيم" وأدعية جميلة، يقطع خشوعها مع الطفل صوت ابنتها وهي تقول بهدوء: "تفضلي الشاي يا حجة"، في تلك اللحظات مدت الجدة يدها برفق وبدأت ترتشف كوب الشاي، وما هي إلا دقائق قليلة حتى وقعت الفاجعة وانقلبت حياة العائلة السعيدة رأسًا على عقب.
سقط قماش الخيمة على الحضور، وتحولت الجلسة العائلية إلى بركة من الدماء المتناثرة هنا وهناك، وامتلأ المكان بالغبار واللهب بفعل صاروخ إسرائيلي خطف فرحتهم، وارتفعت صرخات النساء مع صيحات المصابين، "يا الله ايش بصير؟، حدا ينقذنا؟ مش عارفين نوقف على رجلينا؟".
في تلك اللحظات المرعبة هرع الناس صوب خيمة العائلة لإنقاذ من بداخلها، وهنا بدأت الصدمة تلو الأخرى، والدة الرضيع محمد الخطيب (45 يومًا) استشهدت على الفور، أما جثته فقد طارت عشرات الأمتار، فيما أصيبت زهر جدة الطفل ومن معها بجروح متفاوتة، تحفظها عناية الله.
وقعت الحادثة المرعبة بتاريخ (25 مايو 2026) حينما استهدفت طائرات الاحتلال الإسرائيلي خيمة لأحد النازحين في مدينة غزة، ما تسبب بارتقاء عدد من المواطنين وإصابة العشرات بجروح مختلفة.
لم تتوقف معاناة عائلة الرضيع محمد الخطيب عند هذا الحد، إنما بدأت تتشكل معاناة مضاعفة، فقد استشهدت الأم، وأصيب الرضيع محمد بجروح خطيرة حيث بترت يده وقدمه ما شكل صدمة قاسية لجدته التي شعر بحرقة تشتعل في قلبها.
زهر الخطيب جدة الرضيع محمد روت تفاصيل مؤلمة وقت وقع المقتلة الإسرائيلية حيث قالت: "يوم الاثنين الموافق 25 مايو، كنا نجلس جميعاً في جلسة عائلية بسيطة ونشرب الشاي، كانت ابنتي وأطفالها موجودين معنا داخل الخيمة، وفجأة سمعنا صوت صاروخين سقطا بجوارنا مباشرة".
بصوت يملؤه الألم تضيف: "في اللحظة نفسها استشهدت والدة محمد -ابنتي- وهي تحتضنه بين ذراعيها، كما أصيب شقيقه الآخر، وأصيبت ابنتي الأخرى وأفراد آخرون من العائلة، لم يبقَ أحد داخل الخيمة إلا وتعرض لإصابة.
وتشير زهر إلى أن عناية الله أبقتها على قيد الحياة لتقوم برعاية الرضيع محمد الخطيب بعد استشهاد والدته، مبينة أنه أصيب بجروح حرجة للغاية، حيث خضع لعمليات عاجلة انتهت ببتر يده وقدمه نتيجة الإصابات البالغة.
ورغم الإصابة القاتلة؛ إلا أن الرضيع محمد تمسك بالحياة وبقي حيًا، ليكون شاهدًا على مأساة العائلة وكاشفا لجرائم الاحتلال الإسرائيلي، حيث قالت جدته زهر: "الحمد لله أن محمد نجا من الموت، لكن حين أنظر إليه أشعر بوجع لا يوصف".
لم تكن نجاة محمد نهاية المأساة بالنسبة للعائلة، بل بداية مرحلة جديدة من التحديات، عنوانها إعادة تأهيل طفل فقد أجزاء من جسده قبل أن يكتشف العالم من حوله.
تتساءل جدته بحرقة: "ما ذنب هذا الطفل؟ كيف سيعيش حياته وهو يرى الأطفال من حوله يركضون ويلعبون بينما حُرم من يده وقدمه؟ ما زال في بداية عمره ولم يعرف من الدنيا شيئاً".
كما تشير: "نزحنا مرات عديدة، تركنا بيوتنا وأموالنا وكل ما نملك، اعتقدنا أن الخيمة ستكون مكاناً آمناً، لكن الصواريخ لاحقتنا حتى إليها، لا نعرف أين نذهب أو كيف نحمي أطفالنا".

وتناشد زهر جدة الرضيع محمد الخطيب، الجهات الإنسانية والطبية بالتدخل العاجل لتوفير العلاج والرعاية اللازمة للرضيع محمد ولآلاف الأطفال الذين يدفعون ثمن حرب الإبادة الإسرائيلية.
وعلى مقربة من الجدة يقف محمد الخطيب عم الرضيع محمد، ينظر بعينيه الدامعتين إلى صورة الطفل ويقول: "لم تكن نجاة محمد مجرد أمر عادي، بل كان أملاً جديداً للعائلة، بعد استشهاد والدته، حيث أصبح الجميع يشعر بمسؤولية مضاعفة تجاهه. نحن نحاول أن نوفر له الرعاية والحب، لكن حجم الإصابة أكبر من إمكانياتنا.
ويضيف: "أصعب ما نعيشه اليوم هو التفكير في مستقبل الطفل حيث يحتاج إلى أطراف صناعية وعلاج طبيعي ومتابعة طبية طويلة الأمد، في ظل الظروف الحالية داخل غزة، هذه الأمور أصبحت تحدياً كبيراً".
ويتابع: "كلما نظرنا إليه وهو يبتسم رغم الألم نشعر بأن لديه إرادة للحياة، لكننا نخشى أن تحرمه الظروف من حقه في العلاج والتأهيل، نأمل أن تصل قصته إلى العالم وأن يجد من يساعده على استعادة جزء من طفولته".
رغم الخسائر الكبيرة، ما زالت العائلة تحاول التمسك بالأمل؛ فكل ابتسامة ترتسم على وجه محمد الصغير تمنحهم سبباً جديداً للاستمرار، حتى وإن كانت الجراح أكبر من أن تندمل سريعاً.
قصة محمد أحمد الخطيب ليست رقماً جديداً يضاف إلى قوائم الضحايا، بل حكاية طفل بدأت حياته بمواجهة قاسية مع الحرب، بين فقدان والدته وبتر أطرافه، يقف الرضيع الصغير شاهداً على حجم المعاناة التي يعيشها أطفال غزة، وفي الوقت الذي يفترض أن تكون فيه الطفولة مساحة للعب والنمو والأحلام، يجد محمد نفسه أمام رحلة طويلة من العلاج والتأهيل والتحديات.


