غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

من قلب الحصار والحرب: طبيب يروي مأساة المستشفيات في غزة

الدكتور فهمي عاهد الميدانة
شمس نيوز - نضال أبو شربي

لم تكن الحرب بالنسبة للدكتور فهمي عاهد الميدانة مجرد أخبار عاجلة أو أرقام صماء تُتلى في النشرات؛ بل كانت وجوهاً تنزف، وممرات تكتظ بالأنين، وخيارات مصيرية يومية بين البقاء تحت القصف أو النزوح نحو المجهول.

ويروي طبيب الطوارئ، الذي التحق بمجمع الشفاء الطبي منذ الأيام الأولى للعدوان، كيف تحولت المستشفيات في قطاع غزة من ملذات لإنقاذ الحياة إلى جزر معزولة ومحاصرة تكافح للبقاء على قيد الحياة.

البدايات: طوفان من الإصابات يفوق القدرة الاستيعابية

يصف الدكتور الميدانة الأيام الأولى للحرب بأنها تجاوزت في شدتها كل ما شهده القطاع من حروب سابقة، فمع كل غارة جوية، كان قسم الاستقبال والطوارئ يستقبل ما بين 100 و150 إصابة دفعة واحدة؛ وهو تدفق هائل يفوق القدرة الاستيعابية للمستشفى بأضعاف.

في الأسابيع الأولى، نجحت الطواقم الطبية في التعامل مع هذه الأعداد بفضل ما توفر من مخزون طبي محدود وتكاتف الأطباء؛ لكن المشهد سرعان ما اتخذ منحى مأساوياً مع تشديد الحصار، ونفاذ المستهلكات الطبية، وخروج أجزاء واسعة من مجمع الشفاء عن الخدمة، مما اضطر الأطباء للتنقل بين الأقسام وسد العجز الطبي الهائل لضمان استمرار الخدمة.

خيار البقاء.. مواجهة الموت بالواجب

مع اقتراب الدبابات والآليات العسكرية من محيط مستشفى الشفاء، وضع الأطباء أمام سؤال وجودي قاس: من يغادر ومن ينحاز للواجب؟ يتذكر الميدانة تلك اللحظات العصيبة قائلاً إن الجميع كان يعلم أن البقاء يعني إما الحصار، أو الاعتقال، أو الموت. ورغم مغادرة جزء من الكوادر تحت وطأة الخطر، قررت ثلة قاصرة من الأطباء البقاء لاستقبال الجرحى الذين لم يتوقف تدفقهم.

"الخوف كان قابعاً في النفوس، لكن الواجب كان أعظم. عندما ترى مصاباً ينزف أمامك، لا تملك ترف تركه يواجه الموت بمفرده."

مستشفى بلا روح: العيش في عتمة الحصار

بمجرد إطباق الحصار، بدأت المقومات الأساسية للحياة والطب بالانهيار التام. انقطعت الكهرباء تدريجياً، وشحت المياه النظيفة وغاب الغذاء. يوضح الطبيب أن الطواقم لم تخزن مؤونتها، إذ اعتادوا الذهاب والعودة إلى منازلهم قبل الحصار المفاجئ.

في غرف العناية المركزة، تحول انقطاع الطاقة إلى حكم بالإعدام؛ حيث تسبب توقف أجهزة التنفس الاصطناعي والأكسجين في ارتقاء عدد من المرضى شهداء. ولم يكن حال قسم الحضانة بأفضل؛ إذ توقفت الحاضنات عن العمل، ليرتجل الأطباء وسائل بدائية لإنقاذ الرضع بما توافر من بطاريات شحن محدودة وحلول مؤقتة تتلاشى مع مغيب الشمس.

رصاص القناصة: الموت على عتبات المستشفى

من بين أكثر المشاهد قسوة في ذاكرة الميدانة، عجز الطواقم الطبية عن إنقاذ جرحى كانوا ينزفون على بعد أمتار قليلة من المستشفى. فقد فرضت قناصة الاحتلال حزاماً نارياً حول المجمع، مستهدفة كل ما يتحرك.

يسترجع الطبيب ذلك المشهد بحرقة: "شاهدنا شاباً مصاباً برصاصة في رقبته ينزف بغزارة أمام بوابات المستشفى. كنا نراه بأعيننا ولا نستطيع مد يد العون له. كل من حاول الاقتراب منه كان يُجابه برصاص القناصة، حتى قضى الشاب شهيداً أمام أعيننا."

ومع استمرار الحصار وتصاعد أعداد الشهداء، منع الاحتلال دفن الموتى، لتبدأ روائح الموت بالانتشار في الأروقة، مما اضطر الطواقم في نهاية المطاف إلى حفر مقبرة جماعية لدفن الشهداء داخل ساحة المستشفى في مشهد صادم وخارج عن المألوف.

الطبيب إنسان.. يداوي جراح الناس وقلبه ينزف

لم تكن الطواقم الطبية بمعزل عن المأساة الإنسانية العامة؛ بل عاشوا الحصار وهم يحملون أثقالاً من القلق الشخصي على عائلاتهم. يروي الميدانة قصة أحد زملائه الأطباء الذي تلقى، وهو محاصر داخل المستشفى، نبأ استشهاد 22 فرداً من عائلته، دون أن يتمكن حتى من توديعهم أو مواراتهم الثرى. كان عليه أن يكفكف دموعه ويستمر في خياطة جراح الغرباء، محاولاً الفصل بين مشاعره الإنسانية الممزقة وواجبه المهني.

الترحال المستمر وإعادة تشغيل "الشفاء" من الصفر

بعد انتهاء الحصار الأول لمستشفى الشفاء، تنقل الميدانة وزملاؤه بين عدة مستشفيات في شمال القطاع (كالمستشفى المعمداني ومستشفى الاستقلال) في محاولة مستميتة للحفاظ على تماسك المنظومة الصحية. تعرض بعضهم للاعتقال، ونزح آخرون للجنوب، وكان الهدف المشترك: ألا ينهار القطاع الصحي تماماً.

وعندما عادوا إلى مستشفى الشفاء لاحقاً، وجدوا صرحاً طبياً مدمراً تحول إلى مركز نزوح يفتقر لأدنى المقومات. بجهود ذاتية وتطوعية، بدأ الأطباء بتنظيف الأقسام بأيديهم، واعمدوا على خلايا طاقة شمسية بدائية لشحن البطاريات. كانت هذه المنظومة تسعفهم حتى غروب الشمس فقط؛ ومع حلول الظلام، كانت العتمة تلف كل شيء، وتتوقف الأجهزة، ويصبح استقبال أي إصابة جديدة تحدياً شبه مستحيل.

خيبة أمل في "المجتمع الدولي"

في ختام شهادته، لا يرى الدكتور فهمي الميدانة نفسه بطلاً استثنائياً، بل جزءاً من منظومة صامدة رفضت الانكسار رغم الجوع، والخطر، وفقدان الأحبة. ويوجه عتباً لاذعاً للمنظومة الدولية قائلاً: "تواصلنا مع مؤسسات دولية وحقوقية لا حصر لها، لكننا لم نجد أحداً يملك القدرة حتى على إدخال زجاجة ماء للمحاصرين. سقطت كل الشعارات، وبقي الطبيب يقاتل بما لديه، لأنه لم يكن أمام المرضى أي خيار آخر سوى الصمود."

إن هذه الشهادة لا توثق تجربة طبيب عابر، بل تختزل الفصول المأساوية لانهيار المنظومة الصحية في غزة؛ حيث تغدو المستشفيات ساحات حرب، ويصبح الحق في العلاج مغامرة محفوفة بالموت.