من على شاطئ غزة، المكان الذي كان يومًا مصدر رزق وآمال آلاف العائلات، لم يعد يُسمع اليوم سوى صوت الموج مختلطًا بأخبار القصف والاعتقالات والشهداء، قطاع الصيد، الذي كان واحدًا من أهم القطاعات الإنتاجية في غزة، تحول خلال أكثر من عامين ونصف من حرب الإبادة إلى واحد من أكثر القطاعات تضررًا وتدميرًا.
هنا كان الصياد يخرج قبل الفجر بحثًا عن رزقه، ويعود محمّلًا بالسمك والتعب والحكايات. أما اليوم، فيخرج وهو يحمل روحه على كفه، لا يعرف إن كان سيعود لأطفاله أم سيُضاف اسمه إلى قائمة جديدة من الشهداء أو المعتقلين.
لم تقتصر الخسائر على المراكب والمحركات ومعدات الصيد، بل طالت كل ما يرتبط بهذه المهنة. دُمّرت موانئ الصيادين وغرفهم ومخازنهم، وتوقفت حسبة السمك وسوق الدلالة ومصانع الثلج، حتى أصبح القطاع بأكمله أشبه بركام كبير يروي قصة مهنة كانت يومًا مصدر حياة لآلاف الأسر.
وخلال الحرب، استشهد مئات الصيادين، بعضهم أثناء محاولتهم العمل في البحر، وآخرون داخل بيوتهم وخيام النزوح. كما تعرّض العشرات للاعتقال والإصابة، فيما لا تزال عائلات كثيرة تجهل مصير أبنائها المعتقلين. ومع استمرار الاستهداف اليومي، بات البحر نفسه ساحة خطر لا تقل قسوة عن البر.
ورغم هذا الدمار، ما زال الصياد الفلسطيني متمسكًا بالبحر. يصنع قوارب صغيرة من بقايا المراكب المدمرة، ويستخدم ألواح الفلين والخشب المستخرج من تحت الركام، في محاولة للبقاء والاستمرار. إنها معركة يومية يخوضها ضد الجوع والخوف والموت، ليؤكد أن هوية الصياد الفلسطيني لا تموت مهما اشتدت الظروف.
ويقول الحاج مصطفى إبراهيم مقداد إن قطاع الصيد تعرض لتدمير شبه كامل خلال الحرب، حيث دُمّر أكثر من 95% من المراكب والمحركات والمعدات وغرف الصيادين والمرافق المرتبطة بالمهنة. كما استشهد نحو 233 صيادًا وأصيب أكثر من 130 آخرين، إضافة إلى اعتقال أكثر من 130 صيادًا ما يزال عدد كبير منهم رهن الاعتقال.

وأضاف أن الاستهداف لم يتوقف حتى اليوم، إذ تتكرر عمليات إطلاق النار والاعتقال بشكل شبه يومي، حيث اعتُقل مؤخرًا عدد من الصيادين غرب دير البلح وغرب مدينة غزة، كما دُمّرت قوارب صغيرة يستخدمها الصيادون بعد فقدان مراكبهم الأصلية.
وأكد أن الصيادين باتوا يستخدمون وسائل بدائية للغاية للوصول إلى البحر، بعضها مصنوع من بقايا المراكب المدمرة أو ألواح الفلين والثلاجات القديمة، في ظل انعدام البدائل ومنع إدخال المعدات اللازمة للصيد.
أما الصياد عمر بكر، فيقول إن حياة الصيادين قبل الحرب كانت أفضل بكثير، حيث كانت المهنة تشهد تطورًا نسبيًا وكانت المراكب والمعدات متوفرة، فيما كانت عشرات العائلات تعتمد بشكل مباشر على هذا القطاع.
وأضاف: "اليوم الاحتلال أنهى كل شيء. دمّر المراكب والمحركات ومعدات الصيد بالكامل، وأعادنا سنوات طويلة إلى الوراء. أنا أعيل ما يقارب مئة فرد من أفراد عائلتي وأقاربي الذين كانوا يعتمدون على البحر، واليوم الجميع بلا عمل".
وأشار إلى أن الحسكات الصغيرة التي يستخدمها الصيادون حاليًا لا توفر أي حماية أو أمان، موضحًا أن من يخرج بها إلى البحر يكون معرضًا في أي لحظة لإطلاق النار أو الاعتقال.
وقال إن الصيادين يشعرون بأنهم تُركوا وحدهم في مواجهة مصيرهم، في ظل غياب أي دعم حقيقي يساعدهم على استعادة مصدر رزقهم أو حماية مهنتهم التي توارثوها عبر الأجيال.
ومن جانبه، يروي أحد أصحاب مراكب الصيد كيف خسر كل ما يملك خلال الحرب، قائلاً إنه أمضى أكثر من أربعين عامًا في بناء مركبه وغرفة الصيد الخاصة به قبل أن تُدمّر بالكامل.

وأضاف: "كل العمر والتعب راح بلحظة. ما ظل شيء أبكي عليه. اليوم قاعدين بلا شغل ولا دخل، وما حدا سأل عنا أو عن أحوالنا طوال سنوات الحرب".
كما تحدث صياد آخر عن حياته قبل الحرب، موضحًا أنه كان يمتلك مع إخوته مركبًا بطول عشرين مترًا يوفر مصدر رزق لعشرات الأسر، لكن المركب دُمّر بالكامل، واستشهد أحد أفراد الطاقم خلال الحرب.
وأضاف: "كنت صاحب مركب ورزق، واليوم أعمل بالأجرة حتى أوفر لقمة العيش لأولادي. نخرج بحسكة صغيرة ونعود أحيانًا بلا شيء، ومع ذلك نبقى مهددين بالرصاص والاعتقال".
وأوضح أن الصيادين يضطرون أحيانًا إلى تقاسم القليل من العائد بينهم، بحيث لا يحصل الفرد إلا على مبلغ بسيط لا يكفي احتياجات أسرته، في ظل تراجع كميات الصيد واستمرار الملاحقة في البحر.
وفي ورش الصيانة البسيطة التي ما زالت تعمل، يحاول الحرفيون إعادة الحياة لما تبقى من القوارب الصغيرة باستخدام الأخشاب المستخرجة من تحت الركام وبقايا مادة الفيبرغلاس القديمة المخزنة منذ سنوات.
ورغم كل هذه الظروف، لا يزال الصيادون متمسكين بأمل العودة إلى البحر بشكل آمن، مطالبين بتوفير مراكب جديدة ومعدات صيد وفتح مساحة بحرية تسمح لهم بالعمل دون خوف من الاستهداف أو الاعتقال.
فالصياد الغزي لا يبحث عن الرفاهية، بل عن حقه الطبيعي في الوصول إلى البحر وتأمين لقمة العيش لأسرته، بعد أن تحولت رحلة الصيد من رحلة رزق إلى رحلة نجاة.
ومن جهة أخرى، يقول أيمن الهسي، وهو يعمل في الصيد منذ أكثر من عشرين عامًا، إنه من صُنّاع وصيانة قوارب الصيد منذ سنوات طويلة، موضحًا أن الصناعة اليوم تعتمد أساسًا على مادة الفيبرغلاس إلى جانب الأخشاب التي أصبحت نادرة للغاية، ويتم جمعها من بقايا الأبواب والأنقاض بسبب انعدام دخول المواد الخام إلى قطاع غزة.
ويؤكد أن صناعة القوارب تراجعت بشكل كبير نتيجة الارتفاع الهائل في أسعار المواد، حيث أصبح الفيبرغلاس باهظ الثمن، فيما تُباع الأخشاب المحدودة بأسعار مرتفعة رغم أنها تُجمع من مخلفات المنازل المدمرة.
ويشرح أن الورش باتت تركز على تصنيع قوارب صغيرة وإجراء صيانة محدودة، بعدما كانت تنتج قبل الحرب قوارب ولنشات متعددة الأحجام، مشيرًا إلى أن معظم القوارب دُمّرت بالكامل، ما دفع العاملين للاكتفاء بإصلاح ما تبقى منها.
كما يلفت إلى أن أبرز التحديات تتمثل في انعدام دخول المواد والأدوات وقطع الغيار، حيث تتلف المعدات مع مرور الوقت دون بدائل. ورغم ذلك يواصل العاملون جهودهم لتخفيف معاناة الصيادين.
أما الصياد مصعب بكر، العامل في تصنيع وصيانة قوارب الفيبرغلاس، فيقول إنه يعمل في هذه المهنة منذ عام 2004، ويقوم حاليًا بإصلاح القوارب الصغيرة بما يتوفر من إمكانيات محدودة.

ويؤكد أن النقص الحاد في المواد الخام يجعل العمل بالغ الصعوبة، إلا أن العاملين يحاولون تقديم ما يستطيعون للتخفيف من معاناة الصيادين، مشيرًا إلى أن القوارب الحالية صغيرة جدًا وكانت في الأصل مخصصة للتنزه لكنها أصبحت تُستخدم للصيد بعد تدمير القوارب الكبيرة.
ويضيف أن الحصول على المواد يتم بطرق شاقة ومن مصادر متفرقة، وأن الأخشاب تُستخرج من مخلفات المباني وتُعاد معالجتها لاستخدامها في التصنيع.
ويؤكد أن الحرب غيّرت طبيعة العمل بالكامل، إذ دُمّرت غالبية القوارب واللنشات، وخسر الصيادون مصادر رزقهم، بينما يعيش كثيرون اليوم على هامش الفقر.
ويصف واقع الصيادين بأنه شديد القسوة، حيث يخرج الصياد إلى البحر بحثًا عن لقمة العيش وسط مخاطر كبيرة، بينما تعيش أسرته حالة قلق مستمر حتى عودته، لافتًا إلى أن عددًا من الصيادين يتشاركون قاربًا واحدًا.
ويختم مصعب حديثه بالتأكيد على أنه عاد للعمل لأنه مصدر رزقه الوحيد، ويعيل أسرة مكونة من تسعة أفراد في مخيم الشاطئ.
ويؤكد العاملون في هذا المجال أن المواد أصبحت شبه معدومة، وأن الأخشاب تُجمع من الأنقاض، فيما أوشكت كميات الفيبرغلاس المتبقية على النفاد دون بدائل.

