في أروقة الحرب التي لا تميّز بين حجرٍ وبشر، تمضي الطفولة في غزة محمّلةً بما يفوق قدرتها على الاحتمال، وجوه صغيرة خرجت من بين الركام تحمل آثار الألم قبل أن تكتمل ملامح أحلامها، وأرواح لم تعرف من الحياة سوى الخوف والنزوح والانتظار، وبين آلاف الحكايات التي خلّفتها حرب الإبادة، تبرز قصة الطفل محمد الجرجاوي (13 عاماً)، الذي وجد نفسه في مواجهة قدرٍ قاسٍ يفوق عمره وطفولته.
كان محمد يفترض أن يقضي أيامه بين المدرسة وألعاب الحي وأحلام الطفولة البسيطة، قبل أن يجد نفسه محاصراً مع عائلته داخل المستشفى الإندونيسي شمال قطاع غزة، هارباً من القصف والموت؛ لكن رحلة النزوح القسري تحولت إلى نقطة مفصلية غيّرت حياته بالكامل، وانتهت بفقدانه إحدى عينيه.
في ذلك اليوم، خرجت العائلة من المستشفى تحت أوامر القوات الإسرائيلية، وسط حالة من الرعب والفوضى، وبين صرخات الجنود وحركة النازحين، تعرّض محمد لاعتداء مباشر أدى إلى إصابة خطيرة في وجهه، لحظات قصيرة كانت كفيلة بتحويله من طفل عادي إلى آخر يواجه يومياً نظرات الشفقة والتنمر والعزلة.
ويروي محمد تفاصيل ما حدث قائلاً: “كنا محاصرين داخل المستشفى، وعند الحواجز طلبوا من والدي أن يتركني ويتقدم.. بعد ذلك ضربتني مجندة بمؤخرة السلاح على وجهي فسقطت ونزفت بشدة"، مضيفا “بعدها قال الطبيب إن العين لم يعد بالإمكان إنقاذها”.
منذ تلك اللحظة، لم تعد حياة محمد كما كانت، فإلى جانب الألم الجسدي الناتج عن استخدام العين الصناعية ومضاعفات العين الأخرى التي تحتاج متابعة مستمرة، يواجه الطفل معاناة نفسية قاسية.
يقول بصوت خافت: “لما يشوفوني الأولاد بيحكوا لي أعور، عشان هيك بطلت أحب أطلع من الخيمة أو أروح أماكن فيها أطفال”.. ويضيف: “حتى المدرسة ما بقدر أروحها، التنمر خلاني أفضل العزلة”.
والده، إبراهيم الجرجاوي (34 عاماً)، يروي بدوره تفاصيل ما جرى قائلاً: “كنا نخرج من المستشفى الإندونيسي باتجاه الجنوب تحت الحصار. طلبوا مني ترك ابني والتقدم، وكنت أخشى الاعتقال أو إطلاق النار، فاضطررت للمضي”.
ويضيف: “بعدها وصلني محمد ينزف، وبعد الفحوصات تبين أن الشبكية تضررت بالكامل وفقدنا العين”.
لم تتوقف المعاناة عند هذا الحد، إذ خضع محمد لعملية استئصال العين المصابة، في محاولة لحماية العين الأخرى من المضاعفات، لكن رحلة العلاج لم تكتمل، فالعين الصناعية التي حصل عليها لاحقاً تضررت بفعل ظروف النزوح وصعوبة الحياة في غزة.
ويقول والده: “العين الصناعية كلفتنا كثيراً، وتم توفيرها عبر مساعدات، لكنها تلفت لاحقاً، اليوم لا تتوفر بدائل في غزة، ويحتاج محمد للسفر للعلاج والتصنيع خارج القطاع”.
لكن الألم الأكبر، كما يوضح الأب، لم يعد طبياً فقط، بل نفسياً واجتماعياً: “ابني لم يعد كما كان، صار ينعزل ويتهرب من الأطفال بسبب كلمات السخرية. يعيش طفولته داخل الخيمة بعيداً عن العالم”.
قصة محمد الجرجاوي تتجاوز فقدان عين، لتتحول إلى شهادة على طفولة انتُزعت من سياقها الطبيعي. ففي غزة، لا تنتهي المأساة عند الإصابة، بل تبدأ بعدها رحلة طويلة من الألم الجسدي والنفسي والاجتماعي.
اليوم، لا يحتاج محمد إلى علاج طبي فقط، بل إلى بيئة تحميه من التنمر، وإلى فرصة ليعود طفلاً كما كان، يلعب ويضحك ويتعلم دون أن يطارده فقدان عينه أو نظرات الآخرين.
ويبقى السؤال معلقاً: كم طفلاً في غزة يحمل جرحاً مشابهاً بصمت؟ وكم طفولة ما زالت تنتظر فرصة للحياة بعيداً عن الحرب؟
