في غزة، حيث لا تترك الحرب للطفولة مساحة للبراءة، يتحوّل اللعب من فرحٍ بريء إلى شهادة على البقاء، وبين الأزقة الضيقة وركام البيوت، كان أكرم الفيومي يطارد طفولته فوق عجلات "السكيت بورد"، يركض كأنه يهرب من كل شيء يقيّد حلمه بالحياة.
كان أكرم طفلاً لا يهدأ، يملأ المكان حركة وضحكاً، يقضي ساعات طويلة يوازن فوق لوحته الصغيرة، كأن العالم لا يتّسع إلا لسرعته؛ لكن الحرب التي لم تترك زاوية آمنة في غزة، غيّرت مسار حياته في لحظة واحدة، حين أصيب إصابة بالغة داخل مدرسة "عبد الفتاح حمودة" بحي التفاح، التي لجأت إليها عائلته هرباً من القصف، قبل أن تتحوّل هي نفسها إلى نقطة مأساة جديدة.
كانت الإصابة أكبر من أن يختصرها الجسد وحده، أفضت إلى بتر يد أكرم وقدمه، فدخل الطفل في لحظة فاصلة بين ما كانه وما أصبح عليه، لم يعد الركض كما كان، ولم تعد العجلات وسيلة للحرية كما عرفها، بل باتت الحياة نفسها بحاجة إلى تعريف جديد.
يعيش أكرم اليوم مع عائلته في منطقة تل الهوى، وسط نزوح ثقيل لا ينفصل عن فقدان المنزل والذاكرة والأمان، بينما يحاول التصالح مع جسد تغيّر فجأة، وواقع لم يخترْه.
وبصوتٍ يحمل ثقل ما جرى، يقول: "قبل الإصابة كنت أعيش طفولتي كاملة... كنت ألعب وأركض وأتنقل بحرية، لكن هذه الإصابة دمرت حياتي وسرقت مني أجزاءً من جسدي".
ورغم قسوة هذا التحوّل، لم ينكسر شغف أكرم بالسكيت. في مشهدٍ يختلط فيه الألم بالإصرار، يحاول الطفل العودة إلى لوحه، متكئاً على طرفٍ صناعي بدائي، يبحث عن توازنٍ جديد بين جسدٍ منقوص وروحٍ ترفض الاستسلام. هناك، فوق العجلات، لا يبدو أنه يمارس رياضة بقدر ما يعيد ترتيب حياته، لحظة بلحظة.
لكن هذا التحدي، رغم رمزيته الكبيرة، يصطدم بواقع طبي عاجز عن مواكبة احتياجاته. فالإمكانيات المتاحة لا تكفي لإعادة تأهيل طفل فقد أطرافه في ظروف حرب، ما يجعله يتطلّع إلى علاج متقدّم خارج غزة، وأطراف صناعية حديثة تعيد له القدرة على الحركة الطبيعية.
قصة أكرم الفيومي ليست حكاية طفل فقد أطرافه فحسب، بل مرآة لجيلٍ كامل في غزة، يقف أمام امتحان قاسٍ مع الحياة، ومع ذلك، يواصل أكرم توازنه فوق لوحته الصغيرة، كأنه يعلن بصمتٍ ثقيل أن الجسد قد يُنتزع منه الكثير، لكن الإرادة حين تُولد من الألم، لا تسقط بسهولة.
وفي مشهدٍ يبدو أبسط من أن يُروى، وأثقل من أن يُنسى، يواصل طفلٌ على "سكيت" رحلة تحدٍّ لا تُشبه إلا غزة نفسها؛ حيث تُصنع الحياة من بين الشقوق، وتُعاد كتابة معنى الطفولة كل يوم على حافة البقاء.