في ظل أزمة مياه متفاقمة في قطاع غزة، برزت مبادرة إنسانية تقودها مؤسسة RVF لتقديم نموذج من “صحافة الحلول” على الأرض، حيث تحولت أزمة المياه إلى مساحة تدخل تقني وإنساني يخفف من آثار الحرب على السكان النازحين.
قبل اندلاع التصعيد الأخير في أكتوبر 2024، كانت أزمة المياه في غزة قائمة بالفعل، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 95٪ من المياه غير صالحة للشرب، ما دفع معظم العائلات للاعتماد على المياه المعبأة أو المنقولة. ومع تفاقم الحرب، ازداد الوضع سوءًا مع تضرر شبكات المياه وتقييد الوصول إلى الإمدادات، ما أدى إلى انتشار أمراض مرتبطة بالمياه مثل الإسهال والتهابات الكبد وعودة أمراض كان يُعتقد أنها تحت السيطرة مثل شلل الأطفال.
في هذا السياق، أعاد فريق مؤسسة RVF توجيه جهوده من العمل السابق مع المدارس والأطفال إلى تدخل أكثر إلحاحًا يرتبط مباشرة بالبقاء اليومي، عبر إصلاح وتركيب وحدات تحلية المياه في مناطق مختلفة من القطاع. وبحسب بيانات المبادرة، تمكن الفريق منذ ربيع 2024 من توفير مياه شرب نظيفة لأكثر من 135 ألف شخص، أي ما يقارب 7٪ من السكان، عبر إعادة تشغيل أو بناء سبع وحدات تحلية في رفح وخان يونس والنصيرات.
اللافت في التجربة أن العمل جرى في بيئة شديدة التعقيد، حيث يواجه المهندسون نقصًا حادًا في قطع الغيار وصعوبة في إدخال المعدات نتيجة إغلاق المعابر. هذا ما دفع الفريق إلى اعتماد حلول بديلة وإصلاحات ميدانية بموارد محدودة، كما يوضح أحد المهندسين في الفريق، الذي يشير إلى أن “إعادة تشغيل المحطات تتم بأقل الإمكانيات المتاحة، رغم حجم القيود المفروضة”.
أثر هذه التدخلات لم يكن تقنيًا فقط، بل انعكس مباشرة على حياة السكان. في إحدى مدارس الإيواء بمخيم النصيرات، ساهم إصلاح وحدة تحلية في توفير مياه نظيفة لأكثر من 10 آلاف نازح، ما خفف من انتشار الأمراض وسمح للعائلات باستعادة جزء من طقوسها اليومية الأساسية مثل الشرب والنظافة وإعداد الطعام للأطفال.
من جانبها، تصف إحدى النازحات التحول بأنه فارق بين مرحلتين من الحياة، حيث ارتبط توفر المياه بانخفاض المعاناة اليومية وعودة الحد الأدنى من الاستقرار الصحي داخل مراكز الإيواء المكتظة.
ورغم هذه النجاحات الجزئية، لا تزال التحديات كبيرة، إذ يواصل الفريق عمله في ظروف محفوفة بالمخاطر، مع استمرار الطلب المرتفع على المياه مقارنة بالقدرة المحدودة على التغطية، ما يجعل المبادرة مثالًا على تدخل إنساني يحقق أثرًا ملموسًا، لكنه يظل مرهونًا بحدود الواقع الميداني القاسي.
