بحلول التاسعة صباحاً، تخفت الحركة نسبياً في مخيمات النزوح وتجمعاتها في مدن قطاع غزة كافة، بينما تتجه الأنظار إلى شاشات هواتف صغيرة تحمل عليها أحلام آلاف الطلاب والطالبات، الذين يخوضون امتحانات الثانوية العامة "التوجيهي" في ظروف استثنائية للعام الثالث على التوالي، بسبب حرب الإبادة الجماعية التي شنتها "إسرائيل" على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023م، ولا تزال تداعياتها الكارثية مستمرة.
وفي هذا التوقيت اليومي، يتحول الصمت داخل الخيام إلى حالة ترقب مشدودة، بينما يجلس طلبة متعبون جسدياً ونفسياً أمام أجهزة ذكية متواضعة، في محاولة لالتقاط إشارة إنترنت قد تعني استمرار الحلم أو ضياعه.
وفي قطاع غزة، لم يعد "التوجيهي" مجرد امتحان دراسي تقليدي، بل تحول إلى اختبار مركب يجمع بين التحصيل العلمي وظروف الصمود، يخوضه جيل يحاول الحفاظ على حقه في التعليم وسط واحدة من أكثر البيئات التعليمية اضطراباً في العالم.
وبدأ 37 ألفاً و698 طالباً وطالبة في القطاع المحاصر، أمس السبت، امتحانات الثانوية العامة للعام 2026، في تجربة استثنائية تُجرى إلكترونياً بالكامل للعام الثالث على التوالي، في ظل دمار واسع طال المؤسسات التعليمية ونزوح مئات آلاف السكان.
وانطلقت الامتحانات صباح يوم السبت بمادة التربية الدينية، وتستمر حتى 29 يونيو/حزيران الجاري.
وبحسب وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية، يبلغ إجمالي المتقدمين لامتحانات "التوجيهي" هذا العام 91 ألفاً و138 طالباً وطالبة، بينهم 51 ألفاً و499 في الضفة الغربية يتقدمون للامتحانات حضورياً داخل المدارس، و37 ألفاً و698 في قطاع غزة يؤدونها إلكترونياً، إضافة إلى ألف و941 طالباً في الشتات موزعين على 46 دولة بالتنسيق مع السفارات الفلسطينية.
وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 91.8 بالمئة من المنشآت التعليمية في قطاع غزة خرجت عن الخدمة نتيجة الدمار أو تحويلها إلى مراكز إيواء للنازحين، ما أدى إلى حرمان الطلبة من التعليم الوجاهي المنتظم خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
لمتابعة آخر المستجدات الميدانية والسياسية للحرب على غزة اشترك بقناة شمس نيوز على منصة تيلجرام
وفي ظل هذا الواقع، تحولت المقاهي الشعبية ومساحات العمل المشتركة المزودة بخدمة الإنترنت إلى قاعات امتحانات بديلة، حيث يتجمع الطلبة منذ ساعات الصباح الأولى لضمان استقرار الاتصال بالإنترنت وشحن أجهزتهم المحمولة، في مشهد يعكس حجم التحديات اللوجستية التي تواجه العملية التعليمية.
وتعتمد وزارة التربية والتعليم العالي منصة إلكترونية تحمل اسم "وايز سكول" لاستقبال إجابات الطلبة وحفظ بياناتهم، في محاولة لضمان سير العملية الامتحانية ومنع ضياع النتائج أو التلاعب بها.
وفي ظل هذه الظروف، يواجه طلبة الثانوية العامة في قطاع غزة تحديات معيشية وتقنية متراكمة، في مقدمتها الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي لساعات طويلة، ما يَحدُّ من قدرتهم على شحن الهاتف أو اللابتوب أو متابعة الدراسة والمراجعة بشكل منتظم، ويدفعهم للاعتماد على حلول بديلة محدودة مثل ألواح الطاقة الشمسية أو الشحن في المحال التجارية.
كما يشكل ضعف الإنترنت أو انقطاعه المفاجئ خلال الامتحانات أو فترات التحضير مصدر قلق دائم، في ظل الاعتماد الكامل على المنصات الإلكترونية في العملية التعليمية.
كما يعاني الطلبة من نقص حاد في المواد التعليمية التقليدية، بعد أن أصبح الاعتماد شبه الكامل على النسخ الرقمية بصيغة "PDF" عبر الهواتف المحمولة، في ظل ارتفاع كلفة الأجهزة الذكية ومستلزمات الاتصال.
ويزداد المشهد صعوبة داخل بيئات النزوح المكتظة، حيث يفتقر الطلبة إلى أجواء دراسية مستقرة، ويضطرون للمراجعة في ظروف صاخبة وغير مهيأة، ما يضاعف الضغط النفسي خلال فترة الامتحانات.
داخل خيمة نزوح في مواصي خان يونس، تروي الطالبة "غنى أبو دقة" تفاصيل استعدادها للامتحان، قائلة: "كنت أراجع دروسي على ضوء شاشة الهاتف من ملفات PDF، بينما تضم الخيمة 11 فرداً ولا توجد فيها أي زاوية هادئة".
وتضيف: "خرجتُ قبل الفجر وجلستُ على صندوق مساعدات كرتوني لأراجع ملاحظاتي، كنت أحلم أن أؤدي التوجيهي في بيتي وعلى مكتبي وبملابس المدرسة، وليس داخل خيمة تفتقر لأبسط مقومات الحياة".
وتشير إلى أن التحدي الأكبر لم يكن في طبيعة الأسئلة، بل في ضعف الانترنت، حيث تضطر للسير مسافة طويلة للوصول إلى مقهى يوفر شبكة مستقرة، وسط خوفها في كل لحظة من انقطاع الانترنت وضياع جهدها.
من جانبه، يصف الطالب هاني أبو صلاح تجربته بأنها امتداد لثلاث سنوات من التعليم غير المنتظم، قائلاً: "لم ندخل فصلاً دراسياً منذ الصف التاسع، واعتمدنا بالكامل على التعليم الذاتي في ظل غياب شبه كامل للبنية التعليمية".
ويضيف: "كنا نكتب المعادلات على كراتين المساعدات الغذائية بسبب شح القرطاسية، واليوم أكبر تحدٍ يواجهنا هو تأمين شحن الهاتف قبل الامتحان".
ويتابع: "بقينا طوال الليل نبحث عن مصدر كهرباء أو لوح طاقة شمسية صغير، وعند الامتحان كنا نجلس متقاربين في مساحة ضيقة لضمان استقرار الإنترنت".
وفي موازاة التحديات التقنية والمادية، يواجه طلبة الثانوية العامة في قطاع غزة ضغطاً نفسياً متصاعداً يرافقهم منذ لحظة الاستعداد للامتحان وحتى تسليم الإجابات، حيث خلق هذا التوتر المستمر حالة من "الإنهاك النفسي المزمن" لدى الطلبة، الذين يدرسون ويؤدون امتحاناتهم في بيئات تفتقر إلى الحد الأدنى من الاستقرار.
كما ينعكس هذا الضغط على البيئة المحيطة بالطلبة داخل مخيمات النزوح والمنازل المكتظة، حيث تغيب الخصوصية والهدوء اللازمان للتركيز، ما يدفع كثيرين إلى الدراسة في ساعات متأخرة من الليل أو في أماكن مؤقتة بحثاً عن قدر من الهدوء.
ويؤكد مختصون في الشأن التربوي أن استمرار هذا النمط من التعليم تحت ظروف الحرب قد يترك آثاراً طويلة المدى على القدرة على التحصيل العلمي، نتيجة تداخل القلق الوجودي مع الضغط الأكاديمي في مرحلة مفصلية من حياة الطلبة.
وأوضح مدير التربية والتعليم شرق خان يونس، د. إبراهيم رمضان، أن الوزارة تواجه تحدياً غير مسبوق في إدارة امتحانات الثانوية العامة في قطاع غزة.
وأضاف د. رمضان أن "المدارس إما مدمرة بالكامل أو تحولت إلى مراكز إيواء، ما جعل خيار الامتحان الإلكتروني ضرورة لضمان استمرار العملية التعليمية وليس مجرد بديل تقني".
وأكد أن الوزارة طورت منصة "وايز سكول" لتأمين الامتحانات وحفظ البيانات، مع وجود فرق فنية لمتابعة الأعطال التقنية، مشيراً إلى أنه يتم التعامل مع حالات انقطاع الإنترنت القسري عبر إجراءات تعويضية تضمن عدم ضياع حق الطالب.