قائمة الموقع

من رماد النار إلى جدران الحياة.. غزيون يصنعون بديلا للإسمنت ويشيدون الأمل من بين الركام

2026-06-22T11:31:00+03:00
بديل الاسمنت
شمس نيوز - نضال أبو شربي

في قطاع غزة، حيث تحولت المدن إلى أكوام من الركام، وحيث توقفت عجلة البناء مع إغلاق المعابر ومنع دخول مواد الإعمار، لم تتوقف إرادة الناس عن البحث عن حلول تحفظ لهم ما تبقى من حياة.

فبين خيام النزوح الممتدة على مساحات واسعة، وبين الحاجة الملحة لمأوى يحمي العائلات من حر الصيف وبرد الشتاء، بدأت تظهر محاولات فردية مبتكرة لصناعة بدائل محلية للإسمنت باستخدام مواد بسيطة ومتوفرة في البيئة المحيطة.

ولم يعد الحديث هنا عن بناء عمارات شاهقة أو أبراج سكنية، بل عن محاولة لصناعة أرضية جافة، أو جدار متواضع، أو غرفة صغيرة تؤوي أسرة أنهكتها الحرب والتنقل المتكرر.

وبينما تتعطل مشاريع الإعمار بسبب نقص المواد الأساسية، نجح عدد من العمال والحرفيين في تحويل الطين، وبقايا النار، والرمال، وبعض المواد البسيطة إلى خلطات بديلة تساعدهم على ترميم ما تهدم أو إنشاء مساحات أكثر أمناً للعيش.

وفي هذه الظروف القاسية، تحولت الخبرات المهنية التي اكتسبها العمال قبل الحرب إلى وسيلة للبقاء والصمود، وأصبح البناء من لا شيء عنواناً لمرحلة كاملة يعيشها سكان القطاع، الذين يواصلون ابتكار الحلول رغم شح الإمكانيات وانعدام الموارد.

في حين قرر النازح من شمال القطاع إلى دير البلح المواطن أنس عبدان استخدام بدائل الاسمنت لتساعده في تجهيز خيمته وتحسين ظروف معيشة أسرته.

ويوضح أنه بدأ أولاً بتسوية أرضية الخيمة باستخدام مادة "الكركار" التي استخرجها من باطن الأرض، حيث قام بفردها وتسويتها وضغطها جيداً بالمياه حتى أصبحت متماسكة وقادرة على تحمل الاستخدام اليومي، وبعد ذلك غطى الأرضية بشادر بلاستيكي أسود ليمنحها شكلاً أقرب إلى الأرضيات المبلطة.

ويضيف أن خبرته السابقة في أعمال البناء ساعدته على ابتكار بديل للإسمنت، إذ استخدم خليطاً من الطين وبقايا السخام الناتج عن إشعال النار وبعض الطحين التالف والماء، فنتجت مادة متماسكة يمكن استخدامها في بعض الأعمال البسيطة والطارئة.

ويؤكد عبدان أن الحرب جعلته يدرك أهمية المهنة التي كان يمارسها سابقاً، قائلاً إن البناء الذي كان يراه عملاً شاقاً أصبح اليوم وسيلته لحماية أسرته وتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة.

ويتابع: "أحلم في بناء مستقبلاً من صناعة حجارة بناء محلية من الطين والمواد المتوفرة، وأن أبني منزلاً حقيقياً لعائلتي عندما تتوفر الظروف المناسبة، لكن حتى ذلك الحين سنواصل الاستفادة من كل ما هو متاح حولنا."

لكن تجربة أنس ليست الوحيدة، فمع تفاقم أزمة مواد البناء وانتشار الدمار، بدأت أفكار مشابهة تظهر في مناطق مختلفة من القطاع، يقودها عمال وحرفيون وجدوا أنفسهم أمام تحدٍ كبير يتمثل في توفير مأوى لعائلاتهم بأقل الإمكانيات الممكنة.

أما مصباح شلح – عامل ترميم وبناء فيوضح: إن أزمة الإسمنت وإغلاق المعابر دفعته وزملاءه إلى البحث عن حلول بديلة تمكنهم من تنفيذ أعمال الترميم الضرورية.

ويضيف أن العمال استخدموا خلطات محلية مكونة من الجبس والطحين وبقايا السخام الناتج عن النار والرمل، مشيراً إلى أن هذه المواد لا يمكن أن تعوض الإسمنت بشكل كامل، لكنها توفر حلاً مؤقتاً يساعد في إنجاز بعض الأعمال البسيطة.

ويؤكد أن النتائج التي حققتها هذه الخلطات كانت مقبولة ضمن الإمكانيات المتاحة، خاصة في سد التشققات وترميم أجزاء متضررة من المساكن والخيام.

ويوجه شلح رسالة يطالب فيها بتوفير مواد البناء الأساسية، وعلى رأسها الإسمنت، مؤكداً أن حجم الدمار الكبير يتطلب جهوداً عاجلة لإعادة الإعمار وتمكين المواطنين من إعادة بناء حياتهم.

ومع استمرار الاعتماد على هذه البدائل، لا يقتصر الأمر على العمال فقط، بل يمتد إلى المواطنين الذين باتوا شركاء في عملية الابتكار وإيجاد الحلول اليومية التي تساعدهم على مواجهة الواقع الصعب.

المواطن أبو محمد الكرد

من جهة أخرى قال المواطن أبو محمود: "هو نازح من شرق مدينة غزة ويقيم في إحدى مناطق النزوح، إن العائلات أصبحت تبحث عن أي وسيلة لتحسين ظروف السكن داخل الخيام".

ويضيف: "كنا نعيش فوق الرمال مباشرة، وعندما تهطل الأمطار أو تشتد الرياح تصبح الحياة أكثر صعوبة؛ لذلك بدأنا باستخدام الطين والمواد المتوفرة لتقوية الأرضيات وإنشاء حواجز بسيطة حول الخيام".

ويشير إلى أن هذه الحلول لا توفر الراحة الكاملة، لكنها تمنح العائلات شعوراً بالأمان والاستقرار المؤقت، خاصة للأطفال وكبار السن.

ويؤكد أن المواطنين في غزة اعتادوا على التكيف مع الظروف الصعبة، لكنهم يتطلعون إلى اليوم الذي تتوفر فيه مواد البناء الحقيقية لإعادة بناء منازلهم المدمرة.

ورغم بساطة هذه المحاولات، إلا أنها تعكس روحاً جماعية من الإصرار على الحياة، حيث يتشارك السكان الخبرات والأفكار ويطورون حلولاً جديدة كلما ازدادت التحديات.

وفي ذات السياق يؤكد المواطن أبو محمد شخصه وهو نازح من حي الشجاعية: "إن فكرة بديل الإسمنت انتشرت بين الناس نتيجة الحاجة الملحة"، موضحاً أن كثيراً من المواطنين باتوا يعيدون استخدام المواد المتوفرة حولهم بدلاً من التخلص منها.

ويضيف: "كل شيء أصبح له قيمة، فالطين والرمل وبقايا الحجارة وحتى السخام الناتج عن النار يمكن أن يتحول إلى مادة مفيدة في البناء أو الترميم."

ويشير إلى أن هذه التجارب منحت السكان قدرة أكبر على الاعتماد على أنفسهم، وساعدت في تخفيف جزء من المعاناة اليومية التي يعيشونها داخل المخيمات ومناطق النزوح.

ويؤكد أن أبناء غزة أثبتوا مرة أخرى قدرتهم على تحويل الأزمات إلى فرص للبقاء والصمود، رغم الظروف الاستثنائية التي يمر بها القطاع.

في غزة، لم تعد مواد البناء مجرد إسمنت وحديد وحجارة، بل أصبحت فكرة وإرادة وخبرة متراكمة يحاول الناس من خلالها صناعة حياة جديدة فوق أرض أنهكتها الحرب. هنا، حيث تغيب الإمكانيات وتحضر الحاجة، يولد الإبداع من قلب المعاناة، وتتحول أبسط المواد إلى أدوات للبقاء.

قد لا تكون هذه الخلطات بديلاً حقيقياً للإسمنت، وقد لا تصمد طويلاً أمام الزمن، لكنها تحمل معنى أكبر من وظيفتها الهندسية؛ فهي تعبر عن شعب يرفض الاستسلام، ويبحث عن نافذة أمل وسط واقع يضيق يوماً بعد يوم.

وبينما ينتظر آلاف النازحين إعادة الإعمار وفتح أبواب الحياة من جديد، تستمر محاولاتهم اليومية لصناعة المأوى من الركام، والجدران من الطين، والأمل من المستحيل. ففي غزة، لا يتوقف الناس عن البناء، حتى عندما تغيب مواد البناء نفسها.

اخبار ذات صلة