لا يبدو جسد الطفلة شفا عبد العال، التي ترقد على أحد أسرة مستشفى التحرير داخل مجمع ناصر الطبي في مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، منفصلاً عن أزمة صحية أوسع تطال آلاف الأطفال المصابين بالسكري من النوع الأول، في وقت يتحول فيه الإنسولين من دواء منقذ للحياة إلى مادة شحيحة معرضة للفقدان والتلف، في ظل الحرب الإسرائيلية المستمرة على القطاع منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وتشير تقديرات طبية إلى أن نحو 2500 طفل مصاب بالسكري من النوع الأول يواجهون خطراً متصاعداً، نتيجة النقص الحاد في الإمدادات الطبية الأساسية، وفي مقدمتها الإنسولين وأدوات قياس السكر ووسائل حفظ الدواء.
وتوضح "يسرا عبد العال"، والدة الطفلة المريضة "شفا"، أن ابنتها شُخِّصت بالمرض في سن الرابعة، ومنذ ذلك الحين باتت بحاجة إلى متابعة طبية مستمرة تشمل الإنسولين وأجهزة قياس السكر ونظاماً غذائياً خاصاً، غير أن هذه المتطلبات لم تعد متوفرة بشكل منتظم في ظل تدهور الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة بسبب الحرب والحصار.
وتشير "عبد العال" إلى أن حالة "طفلتها تشهد ارتفاعات حادة ومتكررة في مستوى السكر، ما يضطرها في أحيان كثيرة إلى نقلها إلى المستشفى أو أقسام العناية المكثفة، وسط قراءات تصل إلى مستويات خطيرة.
ولا تقتصر معاناة الطفلة "شفا" على حالتها الفردية، إذ تعكس واقعاً أوسع يعيشه آلاف الأطفال المصابين بالسكري في قطاع غزة، في ظل نقص مستمر في الإنسولين والمستلزمات الطبية الأساسية اللازمة لإدارة المرض.
وبينما تتراجع أدوات المتابعة الطبية، يعتمد ذوو المرضى على العلامات الظاهرة فقط لمراقبة الحالة، في وقت تتفاقم فيه أزمة توفر الإنسولين وصعوبة الحفاظ على فعاليته داخل بيئة تفتقر إلى التبريد والكهرباء.
ولا تملك "منى الفرا"، والدة الطفل المريض "كرم"، سوى الملاحظة المباشرة لتقلبات الحالة الصحية داخل الخيمة، في ظل غياب أجهزة فحص السكري والإنسولين، ما يجعل تقييم الوضع الصحي عملية غير دقيقة ومؤجلة إلى حين ظهور الأعراض.
تقول "الفرا"، إن "غياب أدوات القياس جعل إدارة المرض أكثر تعقيداً، حيث ننتظر ظهور الأعراض لنفهم ما يحدث".
من جهتها، توضح "ياسمين المدهون"، والدة الطفلة المريضة "حلا"، أن الحصول على الجرعات بات مهمة يومية معقدة، تتخللها مخاوف مستمرة من نفاد الدواء أو فقدان فعاليته.
وتوضح أن الأسرة تضطر أحياناً إلى تقليل الجرعات لضمان استمرارها لأيام إضافية، مشيرة إلى أن الأزمة لا تتعلق فقط بتوفر الإنسولين، بل بقدرته على البقاء صالحاً داخل حرارة الخيام.
لمتابعة آخر المستجدات الميدانية والسياسية للحرب على غزة اشترك بقناة شمس نيوز على منصة تيلجرام
وفي ظل انقطاع الكهرباء وغياب وسائل التبريد، تلجأ بعض العائلات إلى وسائل بدائية لحفظ الإنسولين، مثل تخزينها في أكياس مياه مثلجة، في محاولة للحد من تلفه رغم غياب ضمان فعاليته الطبية.
ويلفت "محمود أبو هادي"، والد الطفل المريض "هادي"، إلى أنه يتنقل بين النقاط الطبية لساعات طويلة لتوفير الإنسولين لطفله، وفي بعض الأحيان لا يجد سوى جرعات محدودة، ما يفرض عليه تقنينها رغم خطورتها.
ولا تتوقف الأزمة عند الدواء، إذ يواجه مرضى السكري تحدياً إضافياً مرتبطاً بالغذاء، في ظل اعتماد واسع على المعلبات والنشويات وغياب البدائل الصحية.
ويقول رائد مصبح، والد الطفل المريض "أحمد"، إن النظام الغذائي الحالي يزيد من تدهور الحالة الصحية للأطفال.
ويضيف: "نستخدم الإنسولين ثم نطعمهم طعاماً غير مناسب يرفع مستوى السكر بشكل كبير، ولا يوجد غذاء بديل متوفر".
إحصائيات وأرقام خطيرة
وتؤكد وزارة الصحة بغزة، أن نقص الأدوية والمستهلكات الطبية بلغ مستويات خطيرة، مشيرة إلى أن غياب الإنسولين يفاقم معاناة نحو 11 ألف مريض سكري يعتمدون على العلاج بشكل منتظم، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من نفاد مئات الأصناف الدوائية الأساسية داخل المستشفيات والمراكز الصحية.
وحذرت الوزارة من أن ما بين 70 و80 ألف مريض سكري في قطاع غزة يواجهون مخاطر صحية متصاعدة، نتيجة النقص الحاد في الإنسولين وشرائط فحص السكر، إلى جانب تراجع الخدمات الطبية وسوء التغذية.
من جهتها، أفادت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” بوجود نقص حاد في الأدوية المنقذة للحياة، وفي مقدمتها الإنسولين، بسبب استمرار القيود المفروضة على إدخال الإمدادات الطبية إلى القطاع.
ولا تقتصر التحديات على الإنسولين فقط، إذ يعاني المرضى من نقص في أجهزة قياس السكر المنزلية وارتفاع أسعارها عند توفرها بشكل محدود، إضافة إلى شح شرائط الفحص، ما يدفع كثيرين إلى قطع مسافات طويلة لإجراء الفحوصات داخل المراكز الطبية.
وفي هذا السياق، حذرت وزارة الصحة من تراجع غير مسبوق في توفر المواد المخبرية، الأمر الذي ينعكس على قدرة المختبرات على متابعة الأمراض المزمنة، وفي مقدمتها السكري.
وتحذر منظمات أممية من أن استمرار تدهور المنظومة الصحية والقيود على دخول الأدوية والمستلزمات الطبية يضاعف المخاطر التي تهدد حياة مرضى الأمراض المزمنة.
وتشير تقارير إنسانية إلى أن انهيار الخدمات الأساسية، واستمرار النزوح، وانقطاع الكهرباء ونقص الوقود، عوامل تزيد من تعقيد الوضع الصحي وتحد من قدرة المرضى على الحصول على رعاية منتظمة.
وفي ظل هذه الظروف، تطالب وزارة الصحة بتأمين دخول كميات كافية من الإنسولين وشرائط الفحص والأجهزة الطبية الخاصة بمرضى السكري بشكل عاجل، محذرة من أن استمرار الأزمة سيؤدي إلى ارتفاع المضاعفات والوفيات، لا سيما بين الأطفال وكبار السن.
ومع استمرار الأزمة الإنسانية والصحية في قطاع غزة، يبقى مرضى السكري من أكثر الفئات هشاشة، إذ تتحول جرعة الإنسولين بالنسبة لهم إلى عنصر حاسم للبقاء على قيد الحياة، في ظل نظام صحي يواجه ضغوطًا متصاعدة.