منذ وعد بلفور عام 1917، وحتى يومنا هذا، لم تتوقف محاولات اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه، جُرب السلاح والاستيطان والحصار والتهجير، وفشلت كلها أمام صمود شعب متمسك بحقه. ثم ظهر سلاح أخطر: الفرقة.
فأدركت المقاومة، وأدرك الشعب، أن معركة التحرير تبدأ من الداخل قبل الخارج، وأن القدس لن تُحرر إلا بصف متراص، وأن الأقصى لن يعود إلا بأمة واعية بأن طريقها واحد.
أولاً: الوحدة فريضة.. لا خيار سياسي
لم يترك القرآن الكريم للأمة مجالاً للاختيار في مسألة الوحدة. فالأمر صريح: "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا" [آل عمران: 103]. والنهي عن التفرق مقرون بالنتيجة مباشرة: "وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ" [الأنفال: 46].
والنبي ﷺ رسم لنا صورة الأمة فقال: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد"، وقال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً" [البخاري].
فالوحدة في قضية فلسطين ليست شعاراً سياسياً، بل هي فريضة شرعية وسبب للتمكين.
ثانياً: دروس التاريخ.. من سقط بالفرقة ومن انتصر بالوحدة
1. سقوط الأندلس: عندما انتصر الغازي بالتفرقة
ثمانمائة عام من الحضارة الإسلامية في الأندلس سقطت في أقل من قرن. لم تسقطها الجيوش وحدها، بل أسقطتها دويلات "ملوك الطوائف" الذين استعان بعضهم بالعدو على بعض، وقدموا له الجزية والولاء مقابل كرسي زائل.
2. تحرير القدس: عندما انتصرت الوحدة
بعد 88 عاماً من الاحتلال الفرنجي للقدس، جمع صلاح الدين الأيوبي مصر والشام والجزيرة تحت راية واحدة. لم يكن جيشه الأكبر عدداً، لكنه كان الأوحد هدفاً. فكانت حطين، وكان فتح القدس عام 1187م، بلا مذابح ولا انتقام، لأن القوة كانت في الصف.
3. عين جالوت: كسر ظهر المغول
عندما توحد المماليك في مصر والشام، والتف الشعب حول قيادته، انتصر قطز في عين جالوت عام 1260م. وكانت تلك المعركة بداية أفول نجم أكبر مشروع غزو عرفه التاريخ.
الخلاصة التاريخية واضحة: كل انتصار سبقته وحدة، وكل هزيمة سبقتها فرقة.
ثالثاً: الغزو اليوم.. بأدوات ناعمة
تغيرت أدوات الغزو، لكن الهدف بقي واحداً. واليوم نُحارب بـ:
1. غزو إعلامي: ببث الفتنة الطائفية والمناطقية والعشائرية، لجعل الفلسطيني يرى أخاه عدواً.
2. غزو اقتصادي: عبر الحصار وتدمير الاقتصاد الوطني، لربط لقمة العيش بالتنازل عن الحق.
3. غزو فكري: بنشر ثقافة اليأس والهزيمة، والتشكيك في جدوى المقاومة، والحديث عن "سلام اقتصادي" مقابل الأرض.
لكن هذه الأسلحة كلها ترتد خائبة أمام شعب يدرك اللعبة. فالصمود في غزة، وفشل مخطات التهجير، دليل أن الشعب الموحد المتمسك بأرضه لا يُكسر.
رابعاً: مصير الغزاة بعد أن تواجههم أمة موحدة
التاريخ العربي والإسلامي لا يمنح الغازي إلا مصيرين:
المصير الأول: الخروج مدحوراً
هذا مصير كل قوة استعمارية واجهتها حركات تحر عربية موحدة. خرج الفرنسيون من الجزائر بعد مليون شهيد، وخرج البريطانيون من مصر والسودان والعراق، وخرج الإيطاليون من ليبيا، وخرجت قوى الاستعمار من المغرب وتونس، كلهم خرجوا مدحورين لأن الشعوب الموحدة لا تُهزم.
المصير الثاني: الاندماج والذوبان
وهذا مصير من يبقى على الأرض. كما حدث للتتار الذين دخلوا بلاد المسلمين غزاة، فما لبثوا أن أسلموا، وتعلموا العربية، وصاروا من علماء المسلمين وقادتهم. فالأرض لأهلها، والتاريخ يفرض نفسه.
خامساً: خارطة طريق الوحدة من أجل تحرير فلسطين وعاصمتها القدس
إذا كانت الوحدة هي السلاح، فما آلياتها؟
1. وحدة سياسية: بإنهاء الانقسام، ورفض كل مشاريع التقسيم الجغرافي أو الفصائلي. ففلسطين عاصمة واحدة، والشعب واحد، والهدف واحد.
2. وحدة اقتصادية: بالمقاطعة الحقيقية لكل ما يدعم الغزو، ودعم المنتج الوطني، وتعزيز صمود المزارع والتاجر الفلسطيني.
3. وحدة إعلامية: بخطاب فلسطيني موحد يخاطب العالم بلغة الحق، ولا يمنح الغازي مادة للفتنة الداخلية.
4. وحدة شعبية: بتربية الأجيال على أن فلسطين من النهر إلى البحر وعاصمتها القدس، وأن الاختلاف في الوسيلة لا يعني الخلاف في الهدف.
خاتمة
إن الغازي لا يخشى السلاح بقدر ما يخشى الوحدة. والتاريخ يشهد أن كل أرض قاومت موحدة طُرد الغازي منها مدحوراً.
وإن أردنا تحرير فلسطين وعاصمتها القدس، فالبداية تكون بتوحيد الصف.