في ظل الحرب المستمرة والدمار الذي طال كل مناحي الحياة، لم تقتصر الخسائر على البيوت والممتلكات فحسب، بل امتدت لتطال الشواهد الثقافية والفكرية.
فالمواطن محمد رمضان سعد، يجسد واحدة من أبزر قصص الصمود الثقافي في قطاع غزة، حيث تحول من صاحب مكتبات ومخازن عامرة بالكتب في بيت لاهيا، إلى بائع للكتب على رصيف خيمته في دير البلح بعد رحلة نزوح مريرة.
ويروي محمد سعد، وهو من سكان مدينة بيت لاهيا شمال القطاع، تفاصيل مأساته قائلاً: "كانت لدي مكتبات في بيت لاهيا، ومخزن كبير للكتب أسفل منزلي، وكنت معتادا قبل الحرب على بيع الكتب أمام بوابات الجامعة الإسلامية".
ومع اندلاع الحرب، تعرض منزله ومكتباته للتدمير الكامل، وبدأت رحلة قاسية من التهجير القسري؛ حيث اضطر للنزوح نحو 15 مرة، تنقل فيها بين مناطق مختلفة قبل أن يستقر به المطاف أخيرا في مدينة دير البلح وسط القطاع.
مغامرة تحت الردم لإنقاذ الفكر
لم يستسلم سعد لخسارة تجارته الفكرية، فبعد النزوح، اتخذ قرارا بالعودة المخاطرة إلى مدينته بيت لاهيا بهدف نبش ركام بيته المدمر واستخراج ما يمكن إنقاذه من كتب.
ويصف هذه التجربة بقوله: "عدت إلى بيت لاهيا وحاولت إخراج الكتب من تحت الردم، استغرق الأمر مني يومين إلى ثلاثة أيام من العمل الشاق والظروف الصعبة للغاية لرفع الأنقاض".
جهود سعد لم تذهب سدى، حيث نجح في استصلاح كميات كبيرة جدا من الكتب المتنوعة ونقلها معه إلى مكان نزوحه الحالي في دير البلح.
رصيف دير البلح.. مكتبة في خيمة
وبعد وصوله إلى دير البلح، قضى سعد نحو شهرين وهو يفترش الرصيف ويبيع الكتب للمارة تحت أشعة الشمس الحارقة. وبسبب التعب الشديد، لجأ إلى صاحب الأرض التي يقيم عليها وترجاه ليتبرع له بقطعة أرض صغيرة يقيم عليها خيمة تحمي كتبه وتتحول إلى مكتبة مؤقتة.
اليوم، يفترش أبو تامر كتبه على الأرض داخل خيمته نظراً لانعدام الإمكانيات، ويبيع شتى أنواع الكتب (الدينية، الثقافية، التاريخية، والروايات القديمة والحديثة) بأسعار زهيدة جداً تتراوح ما بين 5 إلى 15 شيكل فقط للكتاب الواحد، بهدف تشجيع الناس على القراءة وتوفير مصدر رزق يعينه على الحياة.
مناشدة ودعوة لإنقاذ الثقافة
على الرغم من نجاحه في تأسيس هذه المكتبة البدائية، إلا أن المعوقات لا تزال قائمة، حيث يفتقر سعد لأبسط المقومات مثل الرفوف، الأخشاب، أو الطاولات لرفع الكتب عن الأرض لحمايتها.
وفي ختام حديثه، وجه أبو تامر نداءً إنسانياً وثقافياً قائلاً: "أناشد كل إنسان لديه القدرة أن يساعدني في توفير رفوف أو طاولات، أو في فتح مكتبة ومحل تجاري لحماية هذه الكتب من الشمس والأرض".
كما دعا كافة محبي القراءة والثقافة لزيارته في خيمته بدير البلح للاستفادة من هذه الكنوز بأسعار في متناول الجميع، مؤكداً: "عندي جميع أنواع الكتب.. قديمة وحديثة، والحمد لله رب العالمين".