في قطاع غزة، حيث تتقاطع أصوات الحرب مع هدير البحر، وحيث تتراجع مساحات الحياة يوماً بعد يوم، ما زال هناك من يتمسك بحلمه رغم كل ما يحيط به من دمار وفقدان.
على امتداد شاطئ القطاع، لم يعد البحر مجرد متنفس للسكان المحاصرين، بل أصبح ملاذاً أخيراً لعدد قليل من الشبان الذين وجدوا في أمواجه مساحة للحرية لا توفرها لهم الأرض.
قبل سنوات، كانت مجموعة من الشبان تجتمع يومياً على شاطئ غزة لممارسة رياضة ركوب الأمواج، يتشاركون الشغف نفسه ويحلمون بالمشاركة في البطولات الدولية وتمثيل فلسطين أمام العالم. لكن الحرب قلبت المشهد رأساً على عقب؛ تحطمت الألواح، وتفرقت الأحلام، وغادر معظم اللاعبين هذه الرياضة تحت وطأة الظروف القاسية.
ورغم كل ذلك، لا تزال ثلاثة ألواح فقط وثلاثة لاعبين يقاومون النسيان. يتمسكون بأمواج البحر كما يتمسك الغريق بطوق النجاة، ويواصلون التدريب في ظروف تكاد تكون مستحيلة، آملين أن يصل صوتهم إلى العالم وأن يجدوا فرصة لإكمال مسيرتهم الرياضية خارج حدود القطاع.
من بين هؤلاء الشبان، يقف خليل أبو جياب، أصغر راكب أمواج في غزة، حاملاً قصة بدأت منذ الطفولة وما زالت مستمرة حتى اليوم.
يقول خليل أبو جياب (18 عاماً):"بدأت ممارسة رياضة ركوب الأمواج عندما كنت في الخامسة من عمري. كنت أرافق والدي إلى البحر، وكان يعلمني أساسيات هذه الرياضة ويعرّفني على تقنياتها خطوة بخطوة. منذ ذلك الوقت أصبحت الأمواج جزءاً من حياتي، وكبر معي حلم الوصول إلى المنافسات الدولية وتمثيل غزة خارج حدود الحصار."
ويضيف: "كنا نمتلك طموحات كبيرة بالسفر والمشاركة في البطولات الخارجية، لكن الظروف التي يعيشها قطاع غزة حالت دون تحقيق هذا الحلم. ورغم ذلك ما زلت أؤمن أن الفرصة قد تأتي يوماً ما، وأننا سنتمكن من تطوير مهاراتنا في أماكن تتوفر فيها الإمكانيات والتدريب الصحيح".
ويؤكد خليل أن الصورة النمطية التي تصل إلى العالم عن غزة لا تعكس حقيقة الشباب فيها، قائلاً: "نحن نحب الحياة والسلام مثل أي رياضي في العالم. نريد فقط فرصة عادلة لممارسة رياضتنا والتطور فيها. نشعر أحياناً أننا معزولون عن بقية الرياضيين حول العالم، رغم أن من حقنا المشاركة والتعلم والمنافسة".
ويتابع: "قبل الحرب كان لدينا فريق مكوّن من 17 لاعباً، لكن الحرب أثرت بشكل كبير على الجميع. كثيرون فقدوا الأمل وتوقفوا عن ممارسة الرياضة، بينما بقي عدد قليل جداً يحاول الاستمرار رغم كل الصعوبات."
ويصف خليل علاقته بالبحر قائلاً: "البحر بالنسبة لي ليس مجرد مكان، بل جزء من حياتي وهويتي. عندما أنزل إلى الماء أنسى كل الضغوط والهموم التي نعيشها في غزة. أشعر بالحرية والراحة، وكأن البحر يمنحنا فرصة مؤقتة للهروب من الواقع."
ويختتم رسالته قائلاً: "أتمنى من المؤسسات والاتحادات الدولية المهتمة برياضة ركوب الأمواج أن تلتفت إلينا، وأن تمنحنا فرصة للتدريب والمشاركة خارج قطاع غزة. هذا هو حلمي الأكبر الذي ما زلت أتمسك به."
لكن قصة خليل ليست الوحيدة. فإلى جانبه يقف عدد محدود من الشبان الذين يواصلون التمسك بهذه الرياضة رغم النقص الحاد في المعدات والإمكانات، ومن بينهم عبد الرحيم الأسطل الذي يواجه مع زملائه تحديات يومية تهدد استمرار هذه الرياضة في غزة.
يقول عبد الرحيم الأسطل (19 عاماً): "أمارس رياضة ركوب الأمواج منذ نحو خمس سنوات، ومن أكبر التحديات التي نواجهها عدم توفر الأدوات والمعدات الأساسية اللازمة لهذه الرياضة."
ويشرح حجم المعاناة قائلاً: "حتى المواد البسيطة مثل الشمع الخاص بألواح التزلج غير متوفرة في غزة، لذلك نضطر إلى استخدام شمع الإضاءة كبديل حتى نتمكن من الاستمرار في ممارسة الرياضة."
ويضيف: "أصبحت ألواح التزلج بالنسبة لنا كنزاً حقيقياً. فقدان أي لوح أو تعرضه للكسر يعني خسارة فرصة لاعب آخر في الاستمرار، لأن البدائل غير متاحة تقريباً."
ويؤكد أن اللاعبين تعلموا هذه الرياضة بجهود ذاتية بالكامل، قائلاً: "لم نحصل على تدريب احترافي أو إشراف من مدربين متخصصين. تعلمنا كل شيء بأنفسنا، ولذلك نحلم بالسفر والمشاركة في معسكرات وبطولات خارجية تساعدنا على تطوير مستوانا."
ويتابع: "رياضة ركوب الأمواج تمنحنا شعوراً مختلفاً. عندما نكون فوق الأمواج ننسى للحظات كل الضغوط التي تحيط بنا. لكنها في الوقت نفسه رياضة محفوفة بالمخاطر في ظل الظروف الحالية."
ويشير إلى أن البحر في غزة لا يوفر دائماً الظروف المناسبة لهذه الرياضة، موضحاً: "الأمواج المناسبة قد لا تأتي إلا مرة أو مرتين في الشهر، لذلك تكون فرص التدريب محدودة أساساً، فما بالك عندما تضاف إليها ظروف الحرب ونقص المعدات."
ويختتم رسالته للعالم قائلاً: "نتمنى أن نحصل على فرصة لممارسة هذه الرياضة خارج قطاع غزة، وأن يتم دعم الرياضيين هنا بالمعدات الأساسية حتى لا تختفي هذه الرياضة بالكامل."
في حين قال محمود أبو عودة (20 عاماً) أحد راكبي الأمواج: "أمارس رياضة ركوب الأمواج منذ عدة سنوات، ووجدت فيها مساحة للحرية والراحة النفسية بعيداً عن الضغوط التي نعيشها يومياً، عندما أكون فوق لوح التزلج وأواجه الأمواج أشعر وكأنني في عالم مختلف تماماً."
ويضيف: "قبل الحرب كانت الظروف أفضل نسبياً، وكنا نلتقي بشكل مستمر على شاطئ البحر ونتبادل الخبرات فيما بيننا. أما اليوم فأصبح الوصول إلى البحر أكثر صعوبة، كما أن معظم المعدات تعرضت للتلف أو الفقدان."
ويتابع: "رغم كل التحديات ما زلت أصر على الاستمرار. هذه الرياضة أصبحت جزءاً من حياتي وهويتي، وأحلم بأن أتمكن يوماً من تمثيل فلسطين في بطولات دولية وأن أتعلم على أيدي مدربين محترفين."
ويؤكد محمود أن رياضة ركوب الأمواج لا تقتصر على الجانب الرياضي فقط، بل تساعد الشباب على تحسين حالتهم النفسية قائلاً: "البحر بالنسبة لنا علاج نفسي. عندما نكون وسط الأمواج نبتعد قليلاً عن أخبار الحرب والدمار ونشعر بالأمل والطاقة الإيجابية."
أما الرياضي يحيى أبو شمالة فيرى أن استمرار هذه الرياضة يمثل رسالة أمل، ويقول: "في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها القطاع، يصبح الحفاظ على الأنشطة الرياضية أمراً مهماً جداً. الرياضة تمنح الشباب فرصة للتنفيس عن الضغوط وتحافظ على طاقتهم الإيجابية."
ويضيف: "نأمل أن تحظى رياضة ركوب الأمواج باهتمام أكبر من المؤسسات الرياضية الدولية، وأن يتم توفير المعدات اللازمة للاعبين حتى يتمكنوا من مواصلة مشوارهم الرياضي."
ما يميز راكبي الأمواج في غزة أنهم تعلموا الرياضة دون مدارس متخصصة أو مراكز تدريب محترفة، كل ما حققوه جاء نتيجة الشغف والإصرار، وهذا يجعل قصتهم ملهمة للكثير من الشباب.
واليوم، وبعد أن تحطمت معظم ألواح التزلج واختفى غالبية اللاعبين الذين كانوا يشكلون فريقاً واعداً، لم يبقَ سوى عدد محدود من الشبان الذين يرفضون التخلي عن حلمهم. يقفون على شاطئ غزة حاملين ما تبقى من معداتهم البسيطة، يراقبون الأمواج ويبحثون فيها عن فرصة جديدة للحياة.