قائمة الموقع

الطفل أحمد الجرجاوي.. اعتقله جيش الاحتلال فعاد محملا بالخوف والأمراض

2026-06-29T12:46:00+03:00
أحمد الجرجاوي
شمس نيوز - نضال أبو شربي

ولم تتوقف معاناة الأطفال في قطاع غزة عند القصف والنزوح وفقدان الأحبة، بل امتدت لتشمل الاعتقال والاحتجاز بعيدًا عن عائلاتهم، في ظروف تركت آثارًا عميقة على أجسادهم ونفوسهم.

ومن بين تلك القصص تبرز حكاية الطفل أحمد الجرجاوي، الذي يعد من أصغر الأطفال الذين تعرضوا للاعتقال، بعدما احتجز وهو في السابعة من عمره خلال نزوح عائلته من شمال قطاع غزة.

اختفى أحمد لأشهر طويلة، لم تكن أسرته تعلم خلالها إن كان لا يزال على قيد الحياة أم أصبح رقمًا جديدًا في قائمة الضحايا.

عاش والده بين النزوح المتكرر، والبحث عن طفله، ورعاية بقية أفراد أسرته، بينما بقي أحمد بعيدًا عن حضن والديه، قبل أن يعود أخيرًا محملًا بآثار نفسية وصحية ما زالت تلازمه حتى اليوم.

يروي إبراهيم الجرجاوي، والد الطفل أحمد، تفاصيل تلك الأيام القاسية، قائلاً إن ابنه اعتُقل أثناء عبور العائلة أحد الحواجز العسكرية خلال رحلة النزوح من شمال قطاع غزة.

ويقول: "أحمد اختفى نحو ستة أشهر، ولم يكن لدى العائلة أي معلومة عنه طوال تلك الفترة، حيث عاشوا حالة من القلق والخوف والترقب، دون أن يعرفوا إن كان الطفل لا يزال على قيد الحياة".

ويضيف أن الأسرة لم تتلق أي خبر عن أحمد إلا قبل الإفراج عنه بيومين، عندما تمكنت من معرفة أنه على قيد الحياة عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي كانت تتلقى بلاغات العائلات عن المفقودين، قبل أن تتولى تسليمه لأقارب الأسرة الموجودين في جنوب قطاع غزة، بسبب تعذر وصول والده إليه آنذاك.

ومن آثار الاعتقال التي ما زالت تلاحق أحمد يؤكد والده أن ابنه عاد مختلفًا تمامًا عما كان عليه قبل الاعتقال، فبعد أشهر الاحتجاز، أصبح الطفل يعاني من خوف شديد، وتلعثم واضح في الكلام، إضافة إلى نوبات هلع متكررة خلال الليل، كما ظهرت عليه أعراض نفسية أثرت بشكل كبير على حياته اليومية.

ولم تقتصر معاناته على الجانب النفسي، بل انعكست أيضًا على صحته الجسدية، إذ يعاني من سوء تغذية وتأخر في النمو، فرغم أن عمره اليوم يقارب أحد عشر عامًا، لا يتجاوز وزنه سبعة عشر كيلوغرامًا، كما ظهرت عليه أمراض جلدية وآثار واضحة للهزال الشديد.

ويشير والده إلى أن رحلة العلاج ما زالت طويلة، وأن الطفل يحتاج إلى رعاية نفسية متخصصة، وتأهيل صحي وغذائي ليستعيد جزءًا مما فقده خلال فترة احتجازه.

رحلة نزوح وبحث لم تتوقف

يتحدث إبراهيم الجرجاوي عن أصعب مراحل حياته، موضحًا أن معاناة البحث عن أحمد تزامنت مع ظروف إنسانية بالغة القسوة عاشتها العائلة خلال الحرب.

فبينما كان يبحث عن ابنه المفقود، كان يعتني أيضًا بابنه المصاب، ويكفل أبناء شقيقته الذين فقدوا والديهم، إلى جانب رعاية طفلة مصابة بالسرطان داخل الأسرة، في وقت كانت فيه العائلة تنتقل باستمرار بين مناطق النزوح هربًا من العمليات العسكرية.

ويصف تلك المرحلة بأنها كانت مليئة بالفوضى والخوف، مؤكدًا أن أصعب ما مر به لم يكن النزوح أو فقدان المنزل، بل جهله بمصير طفله، قائلاً إن معرفته بأن أحمد كان حيًا، حتى وإن كان معتقلًا، كانت ستكون أهون عليه من بقائه مفقودًا لا يعرف عنه شيئًا.

أي خطر يشكله طفل في السابعة؟"

يتساءل والد أحمد بحرقة عن السبب الذي يدفع إلى احتجاز طفل في السابعة من عمره، مؤكدًا أن الأطفال في هذا العمر لا يدركون شيئًا من تعقيدات السياسة أو الحرب.

ويقول إن أحمد كان طفلًا في الصف الأول الابتدائي، وكان من المفترض أن يقضي أيامه بين المدرسة وألعابه وأسرته، لا أن يعيش تجربة الاعتقال بعيدًا عن والديه، ويواجه الخوف والتعذيب والحرمان، وهي ظروف تركت آثارًا ما زالت واضحة عليه حتى اليوم.

 نداء لإنقاذ أحمد

يوجه والد الطفل رسالة إلى المؤسسات الدولية والجهات الإنسانية وكل أصحاب الضمائر الحية، مطالبًا بتوفير العلاج اللازم لابنه، سواء من الناحية النفسية أو الصحية أو الغذائية.

ويؤكد أن الأسرة لا تطلب أكثر من حق أحمد في أن يعيش حياة طبيعية مثل بقية أطفال العالم، وأن يعود إلى المدرسة، ويلعب، ويتحدث دون خوف أو تلعثم، ويحصل على الرعاية التي تمكنه من تجاوز آثار التجربة التي عاشها.

ويختم رسالته قائلاً إن الأطفال لا ينبغي أن يكونوا ضحايا للحروب، وإن أحمد يستحق فرصة جديدة ليستعيد طفولته التي سُلبت منه.

قصة أحمد الجرجاوي ليست مجرد حكاية طفل خرج من الاعتقال، بل شهادة حية على ما يمكن أن تتركه الحروب من آثار طويلة الأمد في نفوس الأطفال وأجسادهم.

فبين لحظة اختفائه عن عائلته، وعودته بعد أشهر وهو يحمل الخوف في ملامحه والتلعثم في كلماته، تتجسد معاناة طفولة فقدت الإحساس بالأمان قبل أن تكتمل سنواتها الأولى.

ورغم عودته إلى أحضان أسرته، فإن رحلة أحمد لم تنتهِ، بل بدأت مرحلة جديدة عنوانها العلاج والتأهيل ومحاولة استعادة ما فقده من صحته ونموه ونفسيته. ومع استمرار معاناة آلاف الأطفال الذين عاشوا تجارب مشابهة، تبقى الحاجة ملحة إلى تدخل إنساني يوفر لهم الرعاية الصحية والنفسية، ويحفظ حقهم في حياة آمنة وتعليم ومستقبل أفضل.

ويبقى السؤال الذي يردده والد أحمد: "أي خطر يمكن أن يشكله طفل في السابعة من عمره؟ سؤال يحمل في طياته وجع أسرة كاملة، ويختصر مأساة طفولة دفعت ثمن الحرب قبل أن تعرف معنى الحياة".

اخبار ذات صلة