قائمة الموقع

بالصور شهادة أب من غزة عن التعذيب الذي غيّر حياة ابنه إلى الأبد

2026-07-03T19:13:00+03:00
الطفل عبد الكريم رفيق حمدي ياسين من ذوى التوحد 1.jpg
شمس نيوز - نضال أبو شربي

في إحدى ليالي الاجتياح الإسرائيلي لمنطقة وادي العرايس شرق حي الزيتون بمدينة غزة، لم يكن رفيق حمدي ياسين يفكر في النجاة بنفسه فقط، بل كان همه الأكبر حماية ابنه عبد الكريم، الطفل من ذوي اضطراب طيف التوحد، الذي لم يكن يدرك لماذا تحولت مدينته فجأة إلى مكان يملأه الرصاص، والدبابات، والصراخ.

في الحروب قد تنتهي المعارك بانسحاب الجنود، لكن بعض المعارك لا تنتهي أبداً، لأنها تستقر في ذاكرة الإنسان ونفسيته، وفي غزة، لم تكن المأساة تقتصر على القصف والنزوح، بل امتدت إلى تفاصيل تركت آثاراً لا تمحى؛ إلى طفل من ذوي التوحد وجد نفسه في مواجهة الخوف والتعذيب، وإلى أب خرج من الاعتقال حاملاً جروحاً نفسية وجسدية لم تندمل.

هذه ليست رواية خيالية ولا مشهداً سينمائياً، بل شهادة يرويها رفيق حمدي ياسين، الذي اعتُقل مع ابنه خلال الاجتياح الإسرائيلي، ليستعيد تفاصيل أيام يقول إنها غيّرت حياتهما إلى الأبد، وحوّلت رحلة علاج ابنه التي كانت تشهد تقدماً إلى معاناة يومية مع الخوف والاضطرابات النفسية.

يقول رفيق: "كنا نقيم في منطقة وادي العرايس شرق حي الزيتون، وفجأة حاصرتنا قوات الجيش الإسرائيلي، اعتُقلنا جميعاً، ومنذ اللحظة الأولى بدأ فصل قاسٍ من التعذيب والإهانة".

ويضيف أن ما عاشوه تجاوز حدود الخوف المعتاد، إذ وجد نفسه وابنه بين عشرات المدنيين الذين اعتُقلوا خلال الاجتياح، لتبدأ رحلة من التعذيب والجوع والعطش والإذلال، ما زالت آثارها تلاحق الأسرة حتى اليوم.

ويتابع: "رأينا القتل في الشوارع بأعيننا. كان الطعام ممنوعاً، والماء ممنوعاً، وحتى الذهاب إلى الحمام كان ممنوعاً. الضرب لم يكن يتوقف، ولم يكن هناك أي تمييز بين صغير وكبير، شاهدنا شباناً يُقتلون أمامنا، ورأينا دبابات تدهس مدنيين في الشوارع، وكأن حياة الإنسان لا قيمة لها".

ويؤكد أن ابنه عبد الكريم كان الأكثر تأثراً بسبب حالته الصحية، "عبد الكريم طفل من ذوي التوحد، وكان يصرخ باستمرار بحكم حالته، لكن بدلاً من أن يلقى الرحمة، كان كل صراخ يقابَل بمزيد من الضرب. كانوا يعزلونه عني، وكان هذا العزل تعذيباً نفسياً لنا معاً. كما تعرض للضرب بكعب البندقية على رأسه، إضافة إلى الاعتداء المبرح على أنحاء مختلفة من جسده".

أما هو، فيقول إنه لا يزال حتى اليوم يعاني من آثار ما تعرض له داخل الاعتقال، "أُصبت بكسر في أحد أضلعي نتيجة الضرب، وما زالت آثار التعذيب تلازمني حتى الآن."

ويستعيد الأب حياة ابنه قبل الحرب قائلاً: "كان عبد الكريم يتلقى علاجاً وتأهيلاً بشكل منتظم، وكانت حالته تتحسن بصورة واضحة. كان يذهب إلى مدرسة متخصصة، ويتعلم ويتفاعل مع الآخرين، لكن الاعتقال والحرب قلبا كل شيء".

ويضيف أن ابنه يعاني اليوم من اضطرابات نفسية حادة، وظهرت عليه سلوكيات لم تكن موجودة سابقاً، حيث لا يتلقى اليوم سوى أدوية مهدئة مثل (ريسبيريدال)، ولا توجد مدرسة متخصصة تستقبله، ولا برامج تأهيل أو رعاية نفسية تناسب حالته".

ويصف حجم الخوف الذي يرافق ابنه بعد خروجه من الاعتقال: "أي شخص يقترب منه أو يرفع صوته يثير فيه الذعر، أصبح يعتقد أن كل من أمامه جندي يحمل سلاحاً، وحتى رؤية الكاميرات أو الأشخاص الغرباء تدخله في حالة خوف شديدة".

وأكد أنه طرق أبواب مؤسسات كثيرة، ومنها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وتواصلنا مع جهات مختلفة. تلقينا وعوداً كثيرة، لكن شيئاً لم يتغير على أرض الواقع. نحن لا نطلب المال، بل نريد فقط أن يعود ابني إلى العلاج الذي كان يتلقاه قبل الحرب، وأن يحصل على حقه في التعليم والتأهيل والرعاية النفسية."

ويشدد على أن الأطفال من ذوي التوحد يحتاجون إلى برامج تأهيل مستمرة تساعدهم على تطوير مهاراتهم والاندماج في المجتمع، "الحرب حرمت عبد الكريم من كل ذلك، فتراجعت حالته بشكل كبير."

ويواصل رواية ما عاشه داخل الاعتقال قائلاً: "مع كل تبديل للجنود كان الضرب يبدأ من جديد، كانوا يعتدون على الجميع بالضرب على البطن والرأس والأيدي والأرجل دون سبب، حتى طلب شربة ماء أو الذهاب إلى الحمام كان يقابل بالإهانة والضرب".

ويضيف أن بعض المشاهد التي رآها لا تزال تطارده حتى اليوم، لافتا إلى أنه رأى أشخاصاً يُقتلون أمامه، وآخرين تُركوا ينزفون حتى الموت، وشاهد كلاباً تنهش جثامين الشهداء في الشوارع، وكانت الدبابات تدهس المدنيين، شباباً وكباراً في السن، في مشاهد يصعب على أي إنسان نسيانها".

ويقول إن أكثر ما أثقل كاهله خلال فترة الاعتقال كان خروجه ابنه من الاحتجاز قبله، "خرج عبد الكريم قبلي، وكان أكثر ما يشغلني: هل وصل إلى عائلته؟ كيف سيعرف الطريق وهو طفل من ذوي التوحد بعدما تغيرت معالم المدينة بالكامل؟ كنت أخشى أن يضيع أو يتعرض للأذى".

ويضيف أن هذا القلق ظل يرافقه حتى تمكن، بعد ثلاثة أو أربعة أشهر، من التواصل مع أسرته، "حتى عائلتي لم تكن تعرف إن كنت حياً أم ميتاً، كانت تصلهم شائعات بأنني قُتلت، بينما لم يكن لديهم أي معلومة عن مكاني أو وضعي".

ويؤكد أن آثار الاعتقال لم تتوقف عند حدود الإصابة الجسدية، قائلا "بعد خروجي لم أعد الشخص الذي كنت عليه، كنت معروفاً بتحمل المسؤولية ومواجهة الصعاب، أما اليوم فأعاني ضغطاً نفسياً شديداً، ولم أستطع النوم لستة أو سبعة أشهر إلا بمساعدة الأدوية المنومة."

ويضيف: "أعتقد أن كل من مر بهذه التجربة خرج منها وهو يحمل جروحاً نفسية عميقة."

ويختتم رسالته بمناشدة للمؤسسات المعنية قائلاً: "أتمنى إنشاء مدرسة متخصصة لعبد الكريم ولكل الأطفال من ذوي التوحد الذين حُرموا من العلاج والتعليم بسبب الحرب، وأن تتدخل الجهات المختصة، ومنظمة الصحة العالمية، والمؤسسات المعنية بالصحة النفسية، لتوفير العلاج، والأخصائيين، وبرامج التأهيل التي يحتاجها هؤلاء الأطفال."

ويؤكد: "نحن لا نطلب أكثر من حقهم في حياة كريمة، وفرصة حقيقية للتعافي واستعادة ما سلبته الحرب منهم."

اخبار ذات صلة