قائمة الموقع

عمران.. الطفل الذي خطفت الحرب عينه لكنها عجزت عن انتزاع أحلامه

2026-07-04T14:23:00+03:00
عمران طويل
شمس نيوز - نضال أبو شربي

في أزقة مخيم اليرموك، حيث يمتزج غبار النزوح بصدى الألم، وتتداخل خيوط المأساة مع بصيص أمل خافت، ولدت حكاية لا تُقرأ بالعين وحدها بل تُستشعر بالقلب، حكاية الطفل "عمران طويل"، ابن السنوات القليلة الذي وجد نفسه بطلاً قسرياً داخل رواية من الألم تفوق خيال الطفولة، برفقة والدته الصامدة "ناريمان".

ومن داخل خيمة متواضعة في ذلك المخيم، تعيش أسرة عمران فصولاً قاسية من النزوح والحرب، بعدما فقدت منزلها وأمانها، وأصبح همها اليومي تأمين لقمة العيش ودواء بسيط.

لكن وسط هذا الكم من المعاناة، يبقى الجرح الأعمق محفوراً في وجه طفل لم يتجاوز سنواته الأولى، فقد إحدى عينيه بقذيفة إسرائيلية بينما كان يلعب كبقية الأطفال، فتحولت براءته في لحظة إلى رحلة طويلة من الألم والعلاج والانتظار النفسي.

في يوم بدا عادياً من عام 2024، كان عمران يلهو ببراءة مع أصدقائه داخل مخيم اليرموك، وفجأة انهمرت القذائف لتسرق الضحكات وتزرع الرعب في المكان، فسقط الطفل مصاباً، وفقد عينه اليمنى، بينما استشهدت صديقته الصغيرة.

تروي الأم ناريمان تلك اللحظة بصوت مرتجف: "أول ما شفته كنت مفكرة إنه استشهد... كان غارقاً بالدماء بلا حركة تقريباً، وبقي حوالي عشر دقائق لا صوت ولا حياة، فظننت أنني فقدته، لكن الحمد لله كانت إصابة وفقدان عين فقط". كلمات تختصر وجع الفقد وامتنان البقاء في مفارقة لا يفهمها إلا من عاش الحرب.

عمران ليس مجرد طفل أصيب، بل قصة تختصر معاناة آلاف أطفال غزة الذين دفعت طفولتهم ثمن حرب لم يختاروها. منذ إصابته، لم يعد يخشى الألم الجسدي بقدر ما يخشى كلمات الأطفال الذين يلاحقونه كلما خرج: "أنت بعين واحدة". وبين نظرات الشفقة والتنمر، تحاول والدته أن تعيد له ثقته بنفسه، وتغرس فيه أن ما فقده قد يعوضه الله خيراً.

ورغم صدور تحويلة علاجية له إلى الخارج، بقيت الأبواب مغلقة، فيما تتدهور حالة عينه السليمة التي باتت تتحمل عبء الرؤية وحدها. "ظننته استشهد"

تستعيد الأم ناريمان تفاصيل ذلك اليوم الذي غيّر حياتهم، بصوت يختلط فيه الألم بالامتنان لأن طفلها ما زال حياً.

تقول إن عمران كان يلعب مع إحدى جاراته داخل ملعب المخيم في الثالث من يناير 2024، قبل أن تسقط قذيفة بشكل مفاجئ.

عندما وصلت إلى المكان وجدته ملقى على الأرض، غارقاً بالدماء، بلا حركة ولا صوت.

تقول: "حين رأيته ظننت أنه استشهد... بقي عشر دقائق بلا حركة تقريباً، والدم يغطي وجهه، وكنت أعتقد أنني فقدته، لكن الحمد لله كتب له النجاة رغم فقدانه لإحدى عينيه."

أما الطفلة التي كانت ترافقه فقد استشهدت في المكان، لتبقى الحادثة أكبر من مجرد إصابة واحدة.

نجا عمران، لكن حياته لم تعد كما كانت، إذ فقد البصر في عينه المصابة، بينما بدأت عينه الأخرى تضعف بسبب الاعتماد الكامل عليها.

وتوضح والدته أن الأطباء حذروها من ضعف متزايد في العين السليمة يستدعي متابعة مستمرة، لكن الظروف المعيشية القاسية حالت دون ذلك.

وتضيف: "وصفوا له قطرات علاجية يجب استخدامها باستمرار، لكن ثمنها أصبح عبئاً ثقيلاً. أحياناً نحتار بين شراء الدواء أو تأمين الطعام."

وتتابع: "في النهاية توقفت عن العلاج، ليس لأنني أريد، بل لأنني لا أملك القدرة، ولأن العين التي فقدها لن تعود."

معركة نفسية أشد من الإصابة

لم يكن الألم الجسدي وحده الأصعب على عمران، بل ما بعده كان أقسى. فقد رفض الخروج من الخيمة لأكثر من شهر، بعدما أصبح عرضة لسخرية بعض الأطفال في المخيم.

تقول والدته:

"كان كلما خرج سمع كلمات مؤلمة: أنت بعين واحدة... فيعود باكياً إلى الخيمة."

وتضيف أن والدهما حاولا دعمه بكل الطرق، وكانا يرددان له كلمات دعم وطمأنينة: "ربنا بيحبك، أنت قوي، والله بيعوضك خيراً."

ومع مرور الوقت بدأ عمران يستعيد ثقته بنفسه، لكنه لا يزال يحمل أثراً نفسياً عميقاً.

في ظل هذه القصة الإنسانية الثقيلة، تبقى معاناة عمران شاهداً على واقع أوسع يعيشه الأطفال في المخيمات، حيث تختلط تفاصيل الحياة اليومية بين الخوف والانتظار والحرمان، وتصبح أبسط الاحتياجات حلماً مؤجلاً.

ورغم قسوة الظروف، يصر عمران على التمسك بطفولته قدر الإمكان، فيحاول أن يضحك أحياناً مع أصدقائه، أو يشاركهم ألعاباً بسيطة داخل أزقة المخيم الضيقة، وكأن تلك اللحظات الصغيرة تمنحه قدرة مؤقتة على نسيان ما فقده.

أما والدته، فلا تتوقف عن البحث عن أي فرصة علاج، أو أي بارقة أمل قد تعيد له جزءاً من حقه في رؤية حياة طبيعية كغيره من الأطفال.

وبين الألم والصبر، تبقى هذه العائلة نموذجاً لعشرات آلاف العائلات التي تعيش على حافة الصمود، وتقاوم كل يوم من أجل البقاء فقط، في انتظار لحظة تنكسر فيها دائرة الحرب، ويعود فيها الأطفال إلى طفولتهم التي سرقتها الظروف، لكن لم تمحها من قلوبهم.

وتبقى الدعوات مستمرة بأن يجد عمران فرصة علاج عاجلة تعيد له الأمل وتخفف عنه معاناته اليومية. في أقرب وقت ممكن جدا.

اخبار ذات صلة