دوت صافرة قوية في مساحة صغيرة الحجم، ركض الأطفال بشغف وفرحة لا يمكن وصفها، تبادلوا الكرة ووصل بعضهم إلى شباك المرمى ليعلنوا عن تسجيل الأهداف، لم تكن هذا مشهدٌ تمثيلي في قطاع غزة إنما مشهد يتكرر بين الفينة والأخرى كدليل على حب الشعب الفلسطيني للحرية والحياة رغم الدمار والحرب والقتل الذي لم يتوقف منذ أكثر من 1000 يوم.
احتضن ملعب "إيبكس" غرب مدينة غزة، عشرات الأطفال الأيتام، ارتدوا قمصان المنتخبات الرياضية، حلموا أحلامًا أكبر من أعمارهم الصغيرة، فرغم فقدانهم لآبائهم وأمهاتهم؛ إلا أنهم لم يفقدوا شغفهم باللعب، ولا إيمانهم بأن كرة القدم تستطيع أن تمنحهم لحظات من الفرح وسط واقع يثقل كاهلهم بالحزن.
وسط حضور جماهيري ورياضي ومجتمعي، انطلقت بطولة كأس أيتام غزة 2026 بمشاركة 8 منتخبات تمثل مختلف محافظات القطاع، في مبادرة تنظمها مجموعة دعم الرياضة الفلسطينية في النرويج بالتعاون مع نادي خدمات الشاطئ، لتتحول البطولة إلى مساحة آمنة للأطفال، يستعيدون فيها شيئًا من طفولتهم التي أنهكتها الحرب.
ولم يقتصر حفل الافتتاح على المباريات، بل تخللته عروض وطنية وتراثية وفنية عكست الهوية الفلسطينية، فيما حملت المنتخبات أسماء مدن نرويجية، في رسالة وفاء للداعمين الذين أسهموا في إخراج هذا الحدث إلى النور، مؤكدين أن التضامن مع أطفال غزة يمكن أن يُترجم أيضًا إلى مشاريع تمنحهم الأمل والحياة.
وشهد اليوم الأول أربع مواجهات قوية، افتتحها منتخب أيتام خان يونس بتحقيق فوز مستحق على منتخب أيتام رفح بثلاثة أهداف مقابل هدف، قبل أن يحقق منتخب شرق الوسطى انتصارًا مماثلًا على غرب الوسطى بالنتيجة ذاتها.
كما تمكن منتخب شرق مدينة غزة من تجاوز منتخب شمال القطاع بهدفين دون رد، فيما انتهت المباراة الرابعة بين وسط مدينة غزة وغرب غزة بالتعادل السلبي بعد لقاء اتسم بالندية والإثارة.
ويؤكد الدكتور حسام حرب، رئيس اللجنة المنظمة للبطولة، أن الهدف الحقيقي من البطولة يتجاوز النتائج والكؤوس، قائلاً: "هذه البطولة جاءت من أجل الأطفال الذين فقدوا الكثير خلال الحرب، نريد أن نمنحهم فرصة ليعيشوا يومًا مختلفًا، يشعرون فيه بأنهم جزء من الحياة، وأن المجتمع لم ينسهم. النجاح الكبير لحفل الافتتاح والحضور الجماهيري يؤكد أهمية استمرار مثل هذه المبادرات".
أما المدرب حسن عرام، مدرب منتخب خان يونس، فيرى أن الفوز في المباراة الأولى يحمل قيمة معنوية كبيرة، مضيفًا: "نحن لا نبحث فقط عن الانتصارات داخل الملعب، بل نحاول أن نعيد الثقة للأطفال، وأن نمنحهم بيئة يشعرون فيها بالأمان والانتماء، الابتسامة التي رأيناها على وجوه اللاعبين بعد المباراة كانت أهم من أي نتيجة".
ويقول أحد الأطفال المشاركين في البطولة: "أنا سعيد جدًا لأنني ألعب مع أصحابي، حلمي أن أصبح لاعب كرة قدم مشهورًا، وأمثل فلسطين يومًا ما".
ويضيف لاعب آخر: "منذ فترة طويلة لم أشعر بهذه السعادة، اليوم نسيت الحرب قليلًا، وفرحت لأن الجميع يشجعنا".
ويؤكد أحد أولياء أمور الأطفال أن مثل هذه البطولات تمثل دعمًا نفسيًا كبيرًا، قائلاً: "هؤلاء الأطفال عاشوا ظروفًا قاسية جدًا، وبعضهم فقد والده أو أحد أفراد أسرته، مجرد أن تراهم يركضون ويضحكون داخل الملعب هو نجاح بحد ذاته".
فيما شعر الطفل محمد بأنه لاعب حقيقي قائلا: "أول مرة من فترة طويلة ألبس طقم فريق وأدخل الملعب والناس تشجعنا، صحيح إحنا أيتام، لكن اليوم شعرنا إن في ناس واقفة معنا، إن شاء الله أحقق حلمي وأصير لاعب كرة قدم وأرفع اسم فلسطين".
ومن جهة أخرى قال طفل آخر "كنت مستني البطولة من أيام، تدربنا كثير، واليوم لعبنا بكل قوتنا، الفوز حلو، لكن الأجمل إننا اجتمعنا مع أصحابنا وفرحنا وضحكنا، هاي اللحظات بتنسينا التعب والحرب شوي".
مدرب أحد المنتخبات في قطاع غزة قال: "النتيجة بالنسبة إلنا مهمة، لكن الأهم هو الأثر النفسي على الأطفال. هؤلاء الصغار مروا بظروف لا يحتملها الكبار، واليوم نراهم يركضون ويضحكون ويتنافسون بروح رياضية، وهذا أكبر نجاح للبطولة".
"حرصنا خلال فترة الإعداد على تعليم اللاعبين قيم التعاون والانضباط قبل المهارات الفنية. البطولة ليست لاكتشاف المواهب فقط، بل لإعادة بناء الثقة بالنفس لدى هؤلاء الأطفال وإشعارهم بأنهم جزء من مجتمع يهتم بهم."
اما خالد يتحدث عن أخيه "منذ استشهاد والدي، اخي تغير كثيرًا، لكن منذ بدأ التدريب للبطولة عاد يبتسم ويتحدث بحماس كل يوم. الرياضة أصبحت متنفسًا حقيقيًا له، ونحن ممتنون لكل من ساهم في تنظيم هذا الحدث."
ومن المقرر أن تتواصل منافسات البطولة خلال الأيام المقبلة على ملاعب قطاع غزة، وصولًا إلى المباراة النهائية التي ستتوج بطل النسخة الأولى من كأس أيتام غزة 2026، في انتظار أن يبقى الأثر الحقيقي للبطولة حاضرًا في نفوس الأطفال، لا في خزائن الكؤوس.