قائمة الموقع

مرضى غزة يصرخون: نريد العلاج قبل أن تتحول ملفاتنا إلى شهادة وفاة

2026-07-07T14:18:00+03:00
جرحى فلسطينيون
شمس نيوز - نضال أبو شربي

تحولت الملفات الطبية التي يحملها مرضى التحويلات العلاجية في قطاع غزة من وثائق تمنحهم أملاً بالنجاة إلى أوراق تتراكم عليها أختام التجديد، فيما لا تزال أبواب السفر مغلقة أمامهم بفعل القيود الإسرائيلية المشددة. وبينما تكتمل الموافقات الطبية والمالية والإدارية، يبقى العلاج بعيد المنال، ويواصل المرض سباقه مع الوقت.

في ساحة مستشفى الشفاء بمدينة غزة، احتشد عشرات المرضى وذويهم في وقفة احتجاجية، رافعين ملفاتهم الطبية وصور أبنائهم بدلاً من اللافتات، في رسالة واحدة إلى العالم: "نحن بشر... دعونا نتعالج، وهذه ملفاتنا شاهدة على أمراضنا".

انتظار يهدد حياة طفل

في أحد أركان الوقفة، وقف يوسف الخطيب ممسكاً بصورة ابنه الوحيد محمد، وهو طفل يعاني مرضاً خطيراً في صمام القلب، قائلاً: "أليس من حقه أن يتلقى العلاج؟".

ويقول الخطيب لمراسل "شمس نيوز": "حصل محمد على تحويلة علاجية معتمدة منذ نهاية عام 2024، ثم جرى تجديدها في الثامن من أبريل/نيسان 2026، وجميع الإجراءات اكتملت، من التغطية المالية إلى اعتماد الدولة المستضيفة، لكننا ما زلنا حتى اليوم ننتظر التنسيق".

ويضيف بصوت يغلب عليه القلق: "إلى متى سيظل ابني ينتظر؟ هل يجب أن يفارق الحياة حتى يأتي دوره؟ لا يوجد علاج لحالته داخل غزة، وكل يوم يمر يزيد من خطورة وضعه الصحي".

ويمسح الأب دموعه قبل أن يتابع: "لا نطالب إلا بحق طبيعي، وهو حق ابني في العلاج. منذ عامين ونحن نسمع كلمة واحدة فقط: انتظروا... لكن المرض لا ينتظر أحداً".

ياسمين... أربع تحويلات وفرصة نجاة ضائعة

وفي الجهة المقابلة، جلست ياسمين غالب محمد حشيش (32 عاماً)، وهي أم لثلاث بنات، تحتضن ملفها الطبي الذي يحمل أختام تجديد التحويلات أكثر مما يحمل مواعيد للعلاج.

تقول ياسمين إنها أُصيبت بسرطان الغدة الدرقية والغدد الليمفاوية عام 2019، إلا أن الحرب عطلت مسار علاجها بالكامل، مضيفة أنها جددت تحويلتها الطبية أربع مرات.

وتروي لحظة كادت تفتح لها باب النجاة: "في شهر مارس، خلال فترة الهدنة، تلقيت اتصالاً يؤكد أن اسمي أصبح جاهزاً للسفر برفقة بناتي الثلاث، بدأت أجهز حقيبتي، لكن بعد يومين فقط عادت الحرب، وضاعت فرصة العلاج".

وتتابع بحسرة: "حتى اليوم لم أغادر، وظهرت لدي كتلة جديدة، وأشعر بأن المرض يتقدم أسرع من جميع الإجراءات".

وتؤكد أنها راجعت مختلف الوزارات والمؤسسات دون جدوى، قائلة: "لا نبحث عن رفاهية أو سفر من أجل حياة أفضل، بل نطالب بحقنا في العلاج".

ثم تنظر إلى صور بناتها وتضيف: "ما زلت في الثانية والثلاثين من عمري، ولدي ثلاث بنات يحتجن إليّ، وأريد أن أعيش من أجلهن".

مطالب بالشفافية في آلية السفر

ولا تقتصر معاناة المرضى على تأخر السفر، بل تمتد إلى غياب الوضوح بشأن آلية التنسيق والتحويلات، وهو ما دفع عدداً منهم إلى تنظيم الاعتصام للمطالبة بإجراءات أكثر شفافية.

ويقول الدكتور عبدالله شقلية، أحد منظمي الاعتصام، إن الأزمة تتفاقم مع مرور الوقت، موضحاً أن بعض المرضى ينتظرون دورهم منذ سنوات، وليس منذ أشهر فقط، فيما تنتهي صلاحية تحويلاتهم قبل السماح لهم بالسفر، ليضطروا إلى تجديدها مراراً، بينما يبقى ترتيبهم في قوائم الانتظار على حاله.

ويطالب شقلية بوضع آلية واضحة تتيح لكل مريض معرفة رقمه في قائمة الانتظار وموعد سفره المتوقع، مع نشر كشوفات دورية توضح سير التحويلات، حتى يتمكن المرضى من متابعة معاملاتهم بشفافية.

كما يشير إلى غياب جهة مرجعية يمكن مراجعتها لمعرفة أسباب التأخير أو مصير الطلبات، إضافة إلى التغييرات المفاجئة في تعليمات المرافقين، الأمر الذي يزيد من معاناة المرضى وأسرهم.

ويحذر من أن التأخير في العلاج لا يعني مجرد تأجيل موعد طبي، بل قد يتحول إلى حكم بالموت، مؤكداً أن كل ساعة تأخير قد تكلّف مريضاً حياته، لأن هؤلاء لا ينتظرون رحلة سفر، وإنما ينتظرون فرصة للبقاء على قيد الحياة.

أم تخشى فقدان ابنها الثاني

وفي زاوية أخرى من الاعتصام، وقفت رائدة أبو العلا، والدة الشهيد جمال أبو العلا، وهي تحمل الملف الطبي لابنها الجريح حسام، الناجي الوحيد من أبنائها.

وتقول بصوت يملؤه الألم: "فقدت ابني جمال، ولم يبق لي سوى حسام، الذي أصيب بشظية من طائرة مسيرة استقرت بالقرب من العصب الوركي، وما زالت داخل جسده".

وتوضح أن ابنها حصل على تحويلة علاجية معتمدة منذ أشهر، إلا أن إجراءات السفر لم تستكمل حتى الآن، مضيفة: "حسام يسير على عكاز ويعاني آلاماً يومية، ولا يتوفر العلاج اللازم لحالته داخل غزة، وقد جددنا التحويلة أكثر من مرة، لكننا ما زلنا ننتظر".

وتختتم مناشدتها قائلة: "بعد أن فقدت ابناً، لا أريد أن أفقد الثاني بسبب الانتظار. العلاج حق لكل جريح ومريض، وأدعو جميع الجهات الدولية والإنسانية إلى التدخل العاجل لإخراج المرضى للعلاج قبل فوات الأوان".

ومع انتهاء الاعتصام، غادر المرضى ساحة مستشفى الشفاء عائدين إلى خيامهم ومراكز نزوحهم، حاملين الملفات الطبية نفسها التي رفعوها خلال الوقفة، لكن من دون أي إجابات أو مواعيد واضحة، فيما يبقى انتظار العلاج بالنسبة لكثيرين سباقاً يومياً مع المرض والموت.

اخبار ذات صلة