غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

بالصور حين أصبح الضوء حلمًا... حنين تقاوم الحرب لتستعيد بصرها وحياتها

الكفيفة حنين صباح
شمس نيوز - نضال أبو شربي

لم تكن حنين صبَّاح تتوقع أن تتحول ليلة هادئة، كانت تقضيها في قراءة ما تيسر من القرآن الكريم قبل النوم، إلى اللحظة التي ستغيّر مجرى حياتها بالكامل، ففي ثوانٍ معدودة، دوّى انفجار عنيف بالقرب من منزلها، فتهشمت النوافذ، واخترقت شظايا الزجاج عينها، لتبدأ رحلة طويلة من الألم، وفقدان البصر، وانتظار علاج بات الوصول إليه معركة أخرى.

ومنذ ذلك اليوم، لم تعد الحرب بالنسبة لحنين مجرد أخبار عن القصف والدمار، بل أصبحت واقعًا تعيشه بكل تفاصيله؛ بين إصابة غيّرت حياتها، ونزوح متكرر، وظروف معيشية قاسية، وأمل لا يزال معلقًا في رحلة علاج قد تعيد إليها نور عينيها.

طموح سبق الحرب

قبل اندلاع الحرب، كانت حنين شابة طموحة أنهت دراستها الجامعية في تخصص الأدب الإنجليزي، وخاضت تجارب في العمل الإعلامي والعمل الحر، إلى جانب مشاركتها في العديد من المبادرات المجتمعية والأنشطة التطوعية.

ورغم معاناتها من ضعف في البصر منذ سنوات، فإنها لم تسمح لذلك بأن يقف حاجزًا أمام أحلامها، بل اعتمدت على نفسها في الدراسة والعمل والتنقل، وآمنت بأن لكل إنسان دورًا يمكن أن يسهم به في خدمة مجتمعه.

لحظة غيّرت كل شيء

مع بداية الحرب، اضطرت أسرتها إلى مغادرة منزلها تحت وطأة القصف المتواصل، وفي إحدى الليالي، بينما كانت تستعد للنوم بعد قراءة القرآن، وقع انفجار قريب أدى إلى تطاير شظايا الزجاج داخل الغرفة، لتصيب إحداها عينها مباشرة.

في الساعات الأولى، لم تدرك حنين حجم الإصابة، إذ كانت النجاة من القصف هي الهم الأكبر، لكن مع مرور الوقت، اشتد الألم، لتكتشف أن حياتها لن تعود كما كانت.

النزوح... معاناة مضاعفة

لم تكن الإصابة وحدها ما أثقل كاهلها، بل جاءت حياة النزوح لتضاعف حجم المعاناة.

تقول حنين إن الدخان المتصاعد من إشعال الحطب للطهي، والغبار الكثيف، والرمال التي تملأ مراكز الإيواء، أسهمت في تدهور حالتها الصحية، حتى باتت تجد صعوبة كبيرة في الحركة والتنقل.

وتوضح أن الخيام لا توفر الحد الأدنى من البيئة المناسبة لمريض يعاني إصابة في العين، في ظل الحرارة المرتفعة، والغبار المستمر، وانعدام الخصوصية، وشح الخدمات الطبية، الأمر الذي جعل كل يوم يمر أكثر قسوة من سابقه.

من الاستقلال إلى الاعتماد

تصف حنين التحول الكبير الذي طرأ على حياتها بكثير من الأسى، فبعدما كانت تعتمد على نفسها في جميع تفاصيل حياتها، أصبحت بحاجة إلى مساعدة أحد أفراد عائلتها في أبسط الأمور؛ من الخروج من الخيمة، إلى السير في الطرق الرملية، أو حتى شراء احتياجاتها اليومية.

وتقول إن أكثر ما يؤلمها ليس الإصابة بحد ذاتها، بل فقدانها للاستقلالية التي كانت تمثل جزءًا أساسيًا من شخصيتها وحياتها.

علاج ينتظر فتح الطريق

بعد أشهر من المعاناة، حصلت حنين على تحويلة علاجية، وتمكنت من التواصل مع مستشفى "باراكير" في مدينة برشلونة الإسبانية.

وبعد دراسة ملفها الطبي، وافق المستشفى رسميًا على استقبالها للعلاج، وأصدر وثيقة استضافة لمدة ثلاثة أشهر، وحدد موعدًا لإجراء التدخل الطبي.

ورغم اكتمال الإجراءات الطبية، ما تزال رحلة العلاج متوقفة بسبب تعذر استكمال إجراءات السفر والإجلاء، بينما يتناقص الوقت الذي قد يحدد إمكانية إنقاذ ما تبقى من بصرها.

الإخلاءات... سباق دائم مع الخطر

تصف حنين أوامر الإخلاء المتكررة بأنها من أكثر التجارب قسوة خلال الحرب، فالهروب تحت القصف بالنسبة لشخص يعاني ضعفًا شديدًا في البصر لم يكن مهمة سهلة.

وتقول إنها كانت تعتمد بالكامل على أفراد عائلتها الذين كانوا يمسكون بيدها أثناء التنقل، خشية أن تتعثر أو تضيع وسط الفوضى.

وتستذكر إحدى اللحظات التي عاشتها داخل مدرسة تؤوي نازحين في مدينة خان يونس، عندما اخترقت الرصاصات نوافذ الفصل الذي كانت تقف فيه، مؤكدة أنها نجت بأعجوبة، وأن ثوانٍ قليلة فقط كانت كفيلة بتغيير مصيرها.

خسائر لا تتوقف عند الإصابة

لم تقتصر آثار الحرب على إصابة حنين، بل امتدت إلى محيطها العائلي والاجتماعي.

فقدت عددًا من أصدقائها الذين قضوا خلال الحرب، بينما تفرقت صديقاتها بين مناطق النزوح المختلفة، وانقطعت الحياة الاجتماعية التي كانت تشكل جزءًا مهمًا من يومها.

أما أسرتها، فتعيش بدورها ظروفًا صحية وإنسانية معقدة؛ إذ يعاني شقيقها من مرض السرطان، بينما أصيب والدها، الذي عمل سنوات طويلة في مجال الإسعاف، خلال الحرب، ما أدى إلى بتر أحد أصابعه، لتجد الأسرة نفسها أمام أعباء صحية واقتصادية متراكمة.

صناعة الأمل وسط الألم

ورغم كل ما مرت به، اختارت حنين ألا تستسلم.

ومع تعذر استمرارها في العمل الميداني، اتجهت إلى صناعة المحتوى الرقمي، وأطلقت قناة على منصة يوتيوب باسم "حنين غزة"، توثق من خلالها معاناة الأشخاص ذوي الإعاقة خلال الحرب، وتنقل قصصهم وتجاربهم إلى العالم.

وتؤكد أن اختيار اسم القناة يعكس ارتباطها العميق بغزة، وإيمانها بأن المدينة ستظل حاضرة في وجدان أهلها مهما طال الدمار.

رسالتان إلى العالم

توجه حنين رسالتين تعتبرهما الأهم، الأولى، أن سكان غزة لا يحتاجون إلى حلول مؤقتة أو مزيد من النزوح، بل إلى إعادة إعمار حقيقية تضمن لهم حياة كريمة وآمنة، أما الثانية، فهي مناشدة إنسانية عاجلة للسماح لها بالسفر واستكمال علاجها في إسبانيا قبل أن تضيع فرصة إنقاذ بصرها.

وتقول: "لا أبحث عن امتيازات، بل عن حقي في العلاج، وأن أستعيد حياتي، وأعود إلى عملي، وأواصل طريقي مثل أي إنسان."

قد تبدو قصة حنين تجربة شخصية، لكنها في جوهرها تعكس واقع آلاف المرضى في قطاع غزة، الذين يجدون أنفسهم يوميًا بين ألم المرض، وتعقيدات الحرب، وانتظار العلاج.

وبينما لا تزال فرصة سفرها معلقة، يبقى الأمل بالنسبة لها حاضرًا؛ أمل بأن تتحول الموافقة الطبية إلى رحلة علاج فعلية، وأن تستعيد نور عينيها، لتبدأ فصلًا جديدًا عنوانه التعافي، واستعادة الحياة، ومواصلة رسالتها التي لم تنجح الحرب في إخمادها.

الكفيفة حنين صباح.jpg


الكفيفة حنين صباح 1.jpg


الكفيفة حنين صباح 1 2.jpg


الكفيفة حنين صباح 2.jpg


الكفيفة حنين صباح 3.jpg