على شاطئ بحر غزة، حيث تجاور أمواج البحر آثار الحرب، انحنى الفنان الفلسطيني الجريح محمد طوطح لساعات طويلة فوق الرمال، ليحوّل مساحة ذهبية من رمال غزة إلى لوحة فنية تحمل صورة واسم قائد المنتخب المصري حسام حسن، في رسالة امتنان لموقفه الداعم لفلسطين ورفعه العلم الفلسطيني في محافل رياضية دولية.
استغرقت المنحوتة نحو ست ساعات من العمل المتواصل، وسط ظروف إنسانية وأمنية صعبة يعيشها القطاع، لكنها لم تكن بالنسبة لطوطح مجرد عمل فني عابر، بل رسالة وفاء من غزة إلى مصر، ومن شعب يرزح تحت وطأة الحرب إلى شخصية عربية يرى فيها كثير من الفلسطينيين صوتاً داعماً لقضيتهم.
رسالة شكر
يقول الفنان محمد طوطح إن اختياره لحسام حسن جاء تقديراً لمواقفه المؤيدة لفلسطين وإصراره على إبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في المشهد الدولي.
وأضاف: "أنجزت هذه المنحوتة على رمال بحر غزة تعبيراً عن الشكر والامتنان للكابتن حسام حسن، الذي حرص على رفع العلم الفلسطيني في المحافل الدولية رغم الضغوط التي واجهت ظهور الرموز الفلسطينية في بعض المناسبات".
وأوضح أن الفن أصبح بالنسبة إليه وسيلة للتعبير عن المشاعر الوطنية والإنسانية في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها الفلسطينيون، قائلاً: "ربما لا نستطيع الوصول إلى العالم كما كنا من قبل، لكن الفن قادر على حمل رسائلنا وإيصالها إلى أبعد مكان".
وأكد أن الرسالة لا تقتصر على شخص حسام حسن فحسب، بل تمتد إلى الشعب المصري الذي يربطه بالفلسطينيين تاريخ طويل من العلاقات والدعم.
تقدير شعبي
وخلال تنفيذ المنحوتة، تجمع عدد من المواطنين على الشاطئ لمتابعة تفاصيل العمل الفني، حيث رأى كثيرون فيه تعبيراً عن مشاعر الامتنان التي يحملها الفلسطينيون تجاه كل من يدافع عن قضيتهم.
ويقول المواطن أبو سالم، الذي تابع مراحل إنجاز المنحوتة، إن الفلسطينيين يقدّرون أي موقف عربي يسهم في إبقاء القضية الفلسطينية حاضرة أمام الرأي العام العالمي.
وأضاف: "قد يظن البعض أن رفع العلم الفلسطيني مجرد لقطة رمزية، لكنه بالنسبة لنا يحمل دلالات كبيرة، لأن هناك محاولات مستمرة لتهميش القضية، وعندما يرفع شخصية معروفة علم فلسطين فإنه يعيد تسليط الضوء عليها".
وأشار إلى أن المنحوتة تعكس مشاعر قطاع واسع من الفلسطينيين أكثر مما تعبر عن رأي الفنان وحده.
الفن في مواجهة الحرب
أما إسراء، وهي نازحة تقيم بالقرب من النادي البحري غرب مدينة غزة، فترى أن المبادرات الفنية باتت تحمل أبعاداً إنسانية تتجاوز قيمتها الجمالية.
وقالت: "نعيش ظروفاً قاسية للغاية، لكننا لا نفقد قدرتنا على تقدير من يقف إلى جانبنا. عندما شاهدنا المنحوتة شعرنا بأنها تنقل ما نريد قوله للعالم".
وأضافت أن الفن أصبح لغة جديدة يستخدمها الفلسطينيون لإيصال رسائلهم في ظل الحرب وما خلفته من معاناة إنسانية واسعة.
من جانبه، يؤكد أحد الفنانين التشكيليين في غزة أن الفن المحلي تجاوز منذ سنوات مفهوم التعبير الجمالي التقليدي، ليصبح أداة للتوثيق والتعبير عن القضايا الإنسانية والوطنية.
وقال إن "الرسم على الرمال فن مؤقت بطبيعته، لكن أثره قد يكون دائماً عندما يرتبط برسالة صادقة"، مضيفاً أن ما يميز هذا العمل أنه جاء من فنان جريح يعيش ظروف الحرب، واختار رغم ذلك أن يقدم رسالة امتنان بدلاً من الغضب.
انتصار من نوع آخر
وخلال تجمع المواطنين حول المنحوتة، علت هتافات عدد من الأطفال والشبان الذين عبّروا بطريقتهم عن تقديرهم للموقف المصري، مرددين عبارات مؤيدة لمصر ولحسام حسن.
ويرى مراقبون أن قيمة هذه المبادرة لا تكمن في العمل الفني ذاته بقدر ما تعكسه من مشاعر إنسانية ورسائل تضامن متبادلة بين الشعوب، بعيداً عن حسابات السياسة والرياضة.
وفي غزة، حيث تحولت تفاصيل الحياة اليومية إلى قصص صمود، يواصل الفنانون البحث عن طرق جديدة للتعبير عن آلامهم وآمالهم. وبينما قد تمحو أمواج البحر آثار المنحوتة بعد ساعات أو أيام، تبقى الرسالة التي حملتها حاضرة في ذاكرة من شاهدوها: أن المواقف الإنسانية الصادقة تترك أثراً أبقى من أي عمل فني، وأن الشعوب لا تنسى من يقف إلى جانبها في أوقات المحن.