قائمة الموقع

"لا أريد كاش".. حين تتحول المواصلات في غزة إلى رحلة عذاب يومية؟

2026-07-14T19:09:00+03:00
أزمة المواصلات في غزة
شمس نيوز - نضال أبو شربي

"حوّل.. معي كاش.. لا أريد كاش.. هل لديك محفظة إلكترونية؟".. عبارات باتت مألوفة في شوارع غزة، حيث لم تعد معاناة التنقل مرتبطة فقط بقلة المركبات أو طول المسافات، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بطريقة دفع أجرة الطريق، في ظل أزمة سيولة نقدية خانقة دفعت كثيرًا من السائقين إلى الاعتماد على التطبيقات البنكية والمحافظ الإلكترونية بدلًا من النقد الورقي.

في قطاع غزة، لم تعد الرحلة التي كانت تستغرق دقائق قبل الحرب كما كانت، فالمسافات القصيرة تحولت إلى ساعات طويلة من الانتظار والتنقل بين مركبات عدة، بينما أصبح الانتقال بين المحافظات رحلة شاقة قد تمتد من ساعتين إلى أربع ساعات، وسط طرق متضررة، ونقص في وسائل النقل، وارتفاع في تكاليف التنقل.

"يوم كامل يضيع من عمري"

يقول أبو محمود، أحد سكان مدينة غزة النازحين قرب منطقة بحر غزة، إن زيارة بناته المقيمات في دير البلح أصبحت مهمة مرهقة تستنزف يومه بالكامل.

ويضيف: "عندما أريد زيارة بناتي أحتاج أكثر من ثماني ساعات ذهابًا وإيابًا، يوم كامل يضيع من عمري، وأعود متعبًا وأتأخر عن عملي، قبل الحرب كنت أصل إليهن خلال أقل من ساعة، أما اليوم فالطريق أصبحت رحلة طويلة، وكل مرحلة تحتاج إلى وسيلة نقل مختلفة".

ويشير إلى أن أزمة الدفع زادت صعوبة التنقل، قائلًا: "إذا لم يكن لديك تطبيق إلكتروني أو محفظة بنكية، قد تجد صعوبة في العثور على سائق يقبلك".

أزمة جديدة فوق أعباء الحرب

ولا تقتصر معاناة الركاب على طول الطريق، إذ أصبحت طريقة دفع الأجرة تحديًا إضافيًا، خاصة لكبار السن ومن لا يمتلكون هواتف ذكية أو حسابات إلكترونية.

تقول أم محمد، من مدينة غزة، إنها تضطر للخروج مبكرًا من أجل مراجعاتها الطبية بسبب صعوبة المواصلات.

وتوضح: "في كل مرة أخرج فيها أفكر أولًا كيف سأصل، ثم كيف سأدفع الأجرة، أحيانًا يكون معي نقود، لكن السائق يطلب تحويلًا إلكترونيًا، فأضطر للانتظار حتى أجد سيارة أخرى، وقد يستغرق ذلك وقتًا طويلًا".

أما أم علاء حامد، وهي نازحة في دير البلح، فتشير إلى أن المشكلة تكون أكبر لدى النازحين الذين يحتاجون إلى التنقل المستمر بين مراكز الإغاثة والمستشفيات ومنازل الأقارب.

وتقول: "ليس الجميع يمتلكون تطبيقات بنكية، خصوصًا كبار السن، وكثيرون يعودون من الطريق لأن السائق لا يقبل الدفع نقدًا".

السائقون بين أزمة الوقود وشح النقد

من جانبهم، يواجه سائقو سيارات الأجرة ظروفًا صعبة، إذ يعانون من نقص الوقود، وارتفاع تكاليف الصيانة، إلى جانب أزمة السيولة التي أثرت على تعاملاتهم اليومية.

يقول أحد سائقي سيارات الأجرة، مفضلًا عدم ذكر اسمه: "في السابق كان النقد هو الأساس، أما اليوم فالكثير من الناس لا يملكون سيولة، والسائق نفسه يحتاج إلى تحويل الأموال حتى يستطيع شراء الوقود أو إصلاح المركبة".

ويضيف: "أصبحت العبارة المتكررة بيننا وبين الركاب: هل لديك كاش؟ لا أريد كاش، أريد تحويلًا.. هل لديك محفظة إلكترونية؟ حول واركب".

أما أبو سامر، وهو سائق أجرة في مدينة غزة، فيقول: "نحن لا نرفض النقد، لكن المشكلة أن التعامل به أصبح صعبًا، عندما أحصل على المال الورقي أواجه صعوبة في تصريفه أو استخدامه في شراء احتياجات السيارة، لذلك أصبحت التطبيقات البنكية أسهل لنا وللركاب الذين يمتلكونها".

الطلاب والمرضى يدفعون الثمن

أصبحت المواصلات تحديًا يوميًا للطلاب والموظفين والمرضى، بعدما تحولت الرحلة العادية إلى وقت طويل يستهلك جزءًا كبيرًا من اليوم.

يقول أحمد حسام: "قبل الحرب كنت أخرج قبل موعد الدوام بعشرين دقيقة، أما الآن فأحتاج إلى الخروج قبل ساعتين أو ثلاث، أحيانًا يكون الطريق أسهل من انتظار سيارة تقبل طريقة الدفع التي أستطيع استخدامها".

ويضيف محمد عدنان، وهو طالب جامعي من مدينة غزة: "الوصول إلى الجامعة أصبح رحلة مرهقة، وفي بعض الأحيان أقضي وقتًا في الطريق أكثر من وقت المحاضرات، وإذا تعطل التطبيق البنكي أو انقطع الإنترنت، تصبح مشكلة الدفع عائقًا إضافيًا".

الطرق التي تغيرت.. والمعاناة بقيت

ومن خلف عربة أجرة، تتمسك منى عبد الرحمن بحديد العربة أثناء انتظار انطلاقها نحو خان يونس، بعد يوم طويل من التنقل بين عدة أماكن.

تقول: "أهلي في غزة، وكل زيارة لهم تحتاج يومًا كاملًا، الطريق طويلة، والسيارات قليلة، وفي كل محطة نضطر للنزول وانتظار سيارة أخرى، وحتى الأطفال أصبحوا يتعبون من طول الرحلة".

ويختصر أبو نافذ واقع التنقل في غزة بالقول: "المواطن لا يعاني فقط من المسافة، بل من الانتظار، وتعدد وسائل النقل، وارتفاع التكلفة، وصعوبة الدفع. كل هذه الأمور جعلت التنقل من أصعب تفاصيل الحياة اليومية".

اليوم لم تعد المسافات في غزة تقاس بالكيلومترات، بل بعدد الساعات التي يقضيها المواطن في الانتظار، وبحجم الجهد الذي يبذله للوصول إلى مكان كان الوصول إليه قبل الحرب لا يحتاج سوى دقائق.

فعبارة "حوّل معي.. لا أريد كاش" لم تعد مجرد طلب من سائق أجرة، بل أصبحت انعكاسًا لتحول اقتصادي واجتماعي فرضته ظروف الحرب، حيث بات امتلاك تطبيق إلكتروني وسيلة ضرورية للوصول إلى العمل أو المستشفى أو الجامعة أو زيارة الأقارب.

اخبار ذات صلة