بعد مرور ألف يوم على الحرب في قطاع غزة، وفي ظل التحولات السياسية والإنسانية العميقة التي فرضتها، عاد النقاش الوطني الفلسطيني حول مستقبل القضية الفلسطينية ومسارات العمل السياسي في المرحلة المقبلة، وسط دعوات لإعادة قراءة الواقع وتطوير رؤية قادرة على التعامل مع المتغيرات الجديدة.
وفي أول نشاط سياسي وفكري يعقد داخل مدينة غزة منذ اندلاع الحرب، احتضن مركز التضامن الإعلامي ندوة وطنية بعنوان "الإبادة الجماعية وانعكاساتها على القضية الفلسطينية.. الواقع والمأمول"، بمشاركة أكاديميين وباحثين وإعلاميين وشخصيات وطنية، تناولت تداعيات الحرب على مختلف المستويات، ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني، وأدوار الإعلام والقانون في توثيق المرحلة الراهنة.
ونُظمت الندوة بالشراكة بين مؤسسة رواق للإعلام ونقابة الصحفيين الفلسطينيين، ضمن حوار تناول آثار الحرب على المجتمع الفلسطيني، ومسارات المواجهة القانونية والإعلامية، والخيارات السياسية المطروحة في ظل التحولات التي تشهدها القضية الفلسطينية.
الإعلام الفلسطيني ومعركة الرواية
افتتح الندوة الدكتور عاهد فروانة، أمين سر المكتب الحركي للصحفيين وعضو الأمانة العامة لنقابة الصحفيين الفلسطينيين، مؤكدًا أن الإعلام الفلسطيني يخوض معركة حاسمة في الدفاع عن الرواية الفلسطينية، رغم الاستهداف الكبير الذي تعرض له الصحفيون والمؤسسات الإعلامية خلال الحرب.
وأشار فروانة إلى أن الصحفيين الفلسطينيين واصلوا أداء دورهم المهني في توثيق الأحداث ونقل صورة ما يجري إلى العالم، رغم الظروف الميدانية الصعبة، معتبرًا أن استمرار العمل الإعلامي يمثل جزءًا أساسيًا من معركة حفظ الذاكرة الوطنية.
من جانبها، أكدت علا كساب، مسؤولة التدريب في نقابة الصحفيين الفلسطينيين وعضو الأمانة العامة، أهمية تطوير العمل الإعلامي وتعزيز قدرات الصحفيين، مشيرة إلى أن المرحلة الحالية تتطلب أدوات مهنية قادرة على توثيق الأحداث وإيصال الرواية الفلسطينية إلى مختلف المنابر الدولية.
التوثيق القانوني وملاحقة الانتهاكات
وفي الجلسة الأولى، قدم الدكتور هاني عودة، أستاذ القانون الدولي في جامعة القدس المفتوحة، قراءة قانونية تناولت الانتهاكات والجرائم المرتكبة خلال الحرب على قطاع غزة، مشددًا على أهمية التوثيق باعتباره أساسًا لأي جهود مستقبلية في مسار العدالة والمساءلة الدولية.
وأكد عودة ضرورة تفعيل المسارات القانونية الدولية، والحفاظ على وحدة الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية، مشيرًا إلى أن القانون الدولي يشكل أحد المسارات المهمة لمواجهة تداعيات الحرب.
بدوره، استعرض الباحث أبي عبود، مدير مركز بيسان للأبحاث في رام الله، انعكاسات الحرب على الضفة الغربية، متناولًا تصاعد الاستيطان وسياسات الضم والتحديات التي تواجه وحدة الأرض الفلسطينية في ظل التطورات المتسارعة.
نقاش حول مستقبل المشروع الوطني
وشهدت الندوة نقاشات سياسية وفكرية حول مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني، حيث قدم عوض عبد الفتاح، الأمين العام السابق للتجمع الوطني الديمقراطي ومنسق حملة الدولة الديمقراطية الواحدة، مداخلة عبر الاتصال المرئي من مدينة حيفا، تناول فيها التحولات التي طرأت على الواقع الفلسطيني خلال العقود الماضية.
وأشار عبد الفتاح إلى أن الحرب الأخيرة أعادت طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل القضية الفلسطينية، والحاجة إلى مراجعة المسارات السياسية السابقة، مؤكدًا أهمية إعادة بناء المشروع الوطني على أسس تستند إلى الحقوق والعدالة ووحدة الشعب الفلسطيني.
كما تطرق إلى أهمية تعزيز التواصل بين الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم، باعتبار الوحدة الوطنية عنصرًا أساسيًا في مواجهة التحديات السياسية الراهنة.
مراجعة المسار السياسي
وفي الورقة الختامية، قدم الدكتور رائد حسنين قراءة نقدية للمسار السياسي الفلسطيني منذ اتفاق أوسلو، معتبرًا أن التطورات الميدانية والسياسية الأخيرة فرضت الحاجة إلى مراجعة شاملة للأدوات والخيارات المطروحة.
وأشار حسنين إلى أن المرحلة الحالية تتطلب إعادة تقييم الأولويات الوطنية، وتعزيز قدرة الشعب الفلسطيني على مواجهة التحديات السياسية والقانونية، بما يحفظ حقوقه ويعزز حضوره في المحافل الدولية.
توصيات لتعزيز العمل الوطني
وفي ختام أعمالها، خرجت الندوة بعدد من التوصيات، أبرزها:
- تكثيف الجهود القانونية والدبلوماسية لملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات أمام المحاكم الدولية.
- دعم الإعلام الفلسطيني وتوفير الحماية للصحفيين والمؤسسات الإعلامية.
- تطوير آليات مهنية لتوثيق الأحداث بما يخدم مسارات العدالة الدولية.
- تعزيز الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام وإعادة بناء المشروع الوطني على أسس ديمقراطية وشاملة.
- استمرار الحوار الفكري والسياسي حول مستقبل القضية الفلسطينية في ضوء التحولات التي فرضتها الحرب.
وأكد المشاركون أن المرحلة المقبلة تتطلب رؤية وطنية قادرة على استيعاب المتغيرات، وتعزيز صمود الفلسطينيين، والحفاظ على الحقوق الوطنية في ظل التحديات المتصاعدة.