قائمة الموقع

من الخيام إلى المقاعد الخشبية.. مدرسة في غزة تعيد الأطفال إلى مقاعد الدراسة

2026-07-17T19:06:00+03:00
نضال أبو شربي – غزة

بعد سنوات من النزوح والانقطاع عن التعليم، وجد مئات الأطفال في مدينة غزة أنفسهم أخيراً داخل غرف صفية حقيقية، يجلسون على مقاعد خشبية بدلاً من أرضيات الخيام، في محاولة لاستعادة جزء من حياتهم الطبيعية التي مزقتها الحرب.

ففي مشهد يحمل كثيراً من الأمل وسط واقع قاسٍ، فتحت مدرسة "أصدقاء فلسطين" أبوابها أمام نحو 850 طالباً، لتكون أول مدرسة تُنشأ بالكامل من الأخشاب في قطاع غزة منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، في محاولة لتوفير بيئة تعليمية أكثر استقراراً بعد سنوات من التعليم داخل خيام لم تكن قادرة على توفير الحد الأدنى من مقومات الدراسة.

وخلال سنوات الحرب، تحولت مدارس القطاع من فضاءات للتعليم إلى مراكز لإيواء آلاف النازحين، بعدما تعرضت مئات المدارس للتدمير أو خرجت عن الخدمة، ما حرم مئات آلاف الطلبة من حقهم الأساسي في التعليم.

وبين حرارة الصيف القاسية، وبرودة الشتاء، والأمطار، والضوضاء، وضيق المساحات، أصبحت الخيام الخيار الوحيد أمام كثير من الأطفال الراغبين في مواصلة تعليمهم، لكنها بقيت حلاً مؤقتاً لم يستطع تلبية احتياجاتهم التعليمية أو النفسية.

عودة إلى الصفوف

لم تكن عودة الأطفال إلى المدرسة مجرد بداية لعام دراسي جديد، بل لحظة طال انتظارها بعد سنوات من النزوح والخوف والانقطاع. فالمقاعد الخشبية التي جلسوا عليها اليوم لم تكن مجرد أثاث مدرسي، بل علامة على محاولة استعادة شيء من الاستقرار في حياة جيل عاش الحرب بكل تفاصيلها.

تقول إحدى المعلمات إن التعليم داخل الخيام كان مليئاً بالتحديات، إذ كان الطلبة يعانون من صعوبة التركيز بسبب الظروف المناخية، سواء خلال موجات الحر في الصيف أو البرد والأمطار في الشتاء.

وتضيف أن الأطفال لم يفقدوا فقط جزءاً كبيراً من تعليمهم، بل تأثروا نفسياً واجتماعياً بسبب ما عاشوه من نزوح متكرر وفقدان وأوضاع إنسانية قاسية.

وتوضح أن آثار الحرب انعكست على سلوك الطلبة وقدراتهم، مشيرة إلى أن المدارس لم تعد تؤدي دورها التعليمي فقط، بل أصبحت مساحة لتقديم الدعم النفسي ومساعدة الأطفال على تجاوز التجارب الصعبة التي مروا بها.

تعليم تحت آثار الحرب

وتشير المعلمة إلى أن كثيراً من الطلبة عادوا إلى مقاعد الدراسة وهم يحملون تجارب مؤلمة؛ فمن بينهم من فقد أفراداً من عائلته، ومنهم من عايش النزوح والجوع والخوف، وهو ما جعل العملية التعليمية بحاجة إلى مقاربة تجمع بين التعليم والرعاية النفسية.

وتؤكد أن توفير بيئة صفية مستقرة يمثل خطوة مهمة في تحسين مستوى الطلبة، خاصة بعد سنوات من الفاقد التعليمي الذي خلفته الحرب.

من جهته، يقول أحد أولياء الأمور إن الانتقال من الخيام إلى غرف صفية خشبية يمثل فرقاً كبيراً بالنسبة للأطفال، موضحاً أن المدرسة الجديدة توفر تهوية وإضاءة أفضل، وتحمي الطلبة من الظروف الجوية التي كانت تعيق تعليمهم سابقاً.

ويضيف أن كثيراً من مدارس غرب مدينة غزة تعرضت للدمار أو تحولت إلى أماكن لإيواء النازحين، بينما اضطر الأطفال خلال الحرب إلى البحث عن الماء والغذاء بدلاً من الذهاب إلى مدارسهم.

ويرى أن هذه المبادرات قد تشجع مزيداً من الأسر على إعادة أبنائها إلى التعليم، بعدما تسببت الحرب في ابتعاد أعداد كبيرة من الأطفال عن مقاعد الدراسة.

نموذج لإعادة التعليم

ويقول مصطفى الملاحي، مدير الإعلام في مؤسسة وفاق الإنسانية، إن المؤسسة أنهت إنشاء مدرسة "أصدقاء فلسطين" بالكامل من الأخشاب، بهدف توفير بيئة تعليمية مناسبة لنحو 850 طالباً، مشيراً إلى أن المشروع يعد الأول من نوعه في القطاع منذ بداية الحرب.

وأوضح الملاحي أن تصميم المدرسة راعى الظروف الصعبة التي يعيشها قطاع غزة، من خلال توفير صفوف تساعد على حماية الطلبة من حرارة الصيف وبرودة الشتاء، وتوفير مساحة أكثر ملاءمة لاستمرار العملية التعليمية.

وأضاف أن تنفيذ المشروع واجه تحديات كبيرة، أبرزها صعوبة توفير الأخشاب ومواد البناء في ظل القيود والظروف التي يعيشها القطاع، إلا أن فرق العمل تمكنت من إيجاد بدائل محلية وإنجاز المدرسة بمرافقها المختلفة.

وأكد أن المدرسة ستقدم خدماتها التعليمية وفق رؤية وزارة التربية والتعليم، معتبراً أن المشروع يمثل نموذجاً يمكن الاستفادة منه في إنشاء مدارس أخرى خلال المرحلة المقبلة.

نافذة أمل

ورغم أن مدرسة "أصدقاء فلسطين" لا يمكن أن تعوض آلاف الفصول الدراسية التي دمرتها الحرب، فإنها تمثل نافذة أمل للأطفال الذين حُرموا من التعليم لسنوات.

وبين جدرانها الخشبية، يبدأ مئات الطلبة رحلة جديدة لاستعادة حقهم في التعلم، في رسالة تقول إن التعليم في غزة ما زال يحاول النهوض من بين الركام، وإن بناء الإنسان يبقى الخطوة الأولى لإعادة بناء المجتمع.

فالمقاعد الخشبية التي يجلس عليها الأطفال اليوم ليست مجرد أماكن للدراسة، بل شاهد على محاولة استعادة الطفولة في زمن الحرب، وعلى أن إرادة الحياة ما زالت تجد طريقها رغم كل الدمار.

اخبار ذات صلة