غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

بالصور قبور غزة.. حين تضيق الأرض بالأحياء والأموات

قبور غزة
شمس نيوز - نضال أبو شربي

لم تعد المأساة في قطاع غزة تنتهي عند لحظة الموت، فحتى المقابر، التي يفترض أن تكون الملاذ الأخير للإنسان، طالتها الحرب بالدمار والاكتظاظ.

فمع تدمير عدد من المقابر وخروج أخرى عن الخدمة، واتساع رقعة الدمار، وجد كثير من الأهالي أنفسهم أمام واقع لم يألفوه من قبل؛ دفن أكثر من شخص في القبر ذاته، أو إعادة فتح قبور العائلات لاستقبال موتى جدد، بعدما أصبحت القبور المتاحة نادرة، وارتفعت تكاليف تجهيزها إلى مبالغ تفوق قدرة العائلات التي أنهكتها الحرب والفقر والنزوح.

وبينما اعتاد الناس أن يكون لكل إنسان قبره، فرضت الحرب واقعًا مختلفًا، إذ أصبح الموتى يتشاركون القبور كما يتشارك الأحياء الخيام ومراكز الإيواء.

فالمقابر امتلأت، وأخرى تعرضت للتجريف، فيما تواجه العائلات صعوبة بالغة في العثور على مكان يوارون فيه أحبّاءهم الثرى، وسط شكاوى من استغلال حاجة الناس وارتفاع تكاليف الدفن في وقت فقدت فيه آلاف الأسر مصادر رزقها ومنازلها.

ألف شيكل مقابل قبر

يروي المواطن نافذ سليمان تفاصيل معاناته قائلاً: "كنت أعتقد أن أصعب ما يمكن أن يمر به الإنسان هو فقدان زوجته، لكنني اكتشفت أن الأصعب هو أن تعجز بعد وفاتها عن إيجاد قبر تدفنها فيه، عندما ذهبت للبحث عن مكان لدفنها، فوجئت بأن تكلفة القبر تصل إلى ألف شيكل، وسألت نفسي: هل وصل بنا الحال إلى أن يصبح الدفن تجارة؟"

ويضيف أن المأساة تكررت بعد وفاة حفيده، إذ عاد يبحث عن قبر جديد، ليجد المشهد نفسه؛ مقابر مكتظة، وأماكن محدودة، وأسعار مرتفعة.

ويقول: "لم نعد نعاني من الحرب وحدها، بل من ظروف تجعل الإنسان عاجزًا حتى عن إكرام ميته، الحرب دمرت البيوت والمستشفيات والشوارع، وحتى المقابر لم تسلم منها".

ويؤكد أن كثيرًا من العائلات اضطرت إلى دفن أكثر من شخص في القبر نفسه أو إعادة فتح قبور العائلة، ليس رغبة في ذلك، وإنما لغياب البدائل.

ويختم حديثه قائلاً: "الميت من حقه أن يُدفن بكرامة، لكننا اليوم نبحث فقط عن أي قطعة أرض تستوعبه".

قبر العائلة... الخيار الوحيد

أما محمد رجب، فيروي أن الحرب حرمته من والديه وشقيقه في قصف واحد، فاضطر إلى دفنهم في قبر العائلة بسبب ظروف الحرب.

ويقول: "ظننت أن معاناتي انتهت، لكن بعد أشهر مرضت أختي، ولم تتمكن من السفر للعلاج حتى توفيت، عندما بحثت عن قبر جديد لم أجد مكانًا، وما كان متاحًا احتاج إلى مبلغ لا أستطيع دفعه بعدما فقدنا المنزل ومصدر الدخل".

ويضيف: "وقفت طويلًا أمام المقبرة، ثم اضطررت إلى دفنها بجوار والديّ وشقيقي، لم يكن هذا ما تمنيته لها، لكنه كان الخيار الوحيد".

ويؤكد أن كثيرًا من العائلات أصبحت تدفن أكثر من فرد في القبر نفسه، ليس لأنها تريد ذلك، وإنما لأن الحرب أغلقت أمامها كل الخيارات.

حتى الوداع أصبح معركة

وعند قبر أبنائه، كان أبو أحمد يسكب الماء على شواهد القبور قبل أن يقول بصوت يملؤه الحزن: "خلال الحرب فقدت ثلاثة من أفراد عائلتي في أوقات مختلفة، في كل مرة كنت أخرج للبحث عن قبر، كنت أعود محملاً بالهم أكثر من الحزن، المقابر التي عرفناها لم تعد كما كانت؛ بعضها دُمر، وبعضها امتلأ بالكامل".

ويضيف أنه عندما توفي ابنه الأخير، أخبره العاملون في المقبرة بعدم وجود أماكن متاحة، فتنقل بين أكثر من مقبرة قبل أن يضطر إلى دفنه في قبر العائلة.

ويتابع: "لم أتخيل يومًا أن يصبح همّي أين سأدفن ابني، كنا نفكر في مستقبله، أما اليوم فأصبحنا نبحث له عن مكان بعد موته".

ويؤكد أن كثيرًا من العائلات تعيد فتح قبورها القديمة لدفن موتى جدد، بعدما لم تعد هناك مساحات متاحة.

رحلة بحث عن قبر

وتقول أم محمود إن معاناتها بدأت بعد وفاة زوجها، إذ انتظرت ساعات طويلة حتى تمكنت من دفنه بسبب اكتظاظ المقبرة.

وتضيف: "بعد أشهر توفي شقيقي، وعشنا المأساة نفسها، لم نملك المال لاستئجار قبر جديد، كما أن معظم المقابر لم تعد تستقبل حالات دفن، فاضطررنا إلى دفنه في قبر العائلة".

وتتابع: "لم نعد نختار مكان دفن أحبائنا، بل نقبل بأي مكان نجده، الحرب سرقت منا كل شيء، وحتى لحظة الوداع الأخيرة".

وتؤكد أن بعض العائلات باعت ما تبقى لديها لتغطية تكاليف الدفن، فيما اضطرت أخرى إلى إعادة استخدام قبور قديمة.

أزمة غير مسبوقة

من جانبه، يقول أحد العاملين في المقابر: "أعمل منذ سنوات في دفن الموتى، ولم أشهد في حياتي ما أشاهده اليوم، في السابق كانت المقابر تستوعب الجميع، أما الآن فنبحث عن أي مساحة صغيرة لدفن جثمان جديد".

ويضيف أن عائلات كثيرة تأتي وهي تحمل أكثر من شهيد من الأسرة نفسها، وتطلب دفنهم في قبر واحد، ليس فقط لأنهم استشهدوا معًا، بل لأنها لا تستطيع تحمل تكاليف أكثر من قبر.

ويؤكد أن عددًا من المقابر خرج بالكامل عن الخدمة بسبب القصف، فيما امتلأت مقابر أخرى، ما اضطر القائمين عليها، بعد موافقة ذوي المتوفين، إلى إعادة فتح قبور عائلية لاستيعاب المزيد من الجثامين.

ويقول: "أصبح السؤال الوحيد الذي يطرحه الناس هو: هل يوجد مكان؟ هذه العبارة وحدها تختصر حجم المأساة."

لا مكان للموتى

أما يوسف، فيقول إنه بعد استشهاد شقيقه تنقلت العائلة بين أكثر من مقبرة بعدما اكتشفت أن جميعها ممتلئة، قبل أن تضطر في النهاية إلى دفنه في قبر العائلة.

ويضيف: "شعرت يومها أن الحرب لم تمنحنا حتى فرصة الوداع كما ينبغي. كنا نريد أن ندفنه في قبر مستقل، لكن الظروف كانت أقوى منا."

ويؤكد أن الأزمة لم تعد تقتصر على ارتفاع التكاليف، بل باتت تتمثل أيضًا في غياب أماكن الدفن، قائلاً: "حتى لو امتلك الإنسان المال، فقد لا يجد قبرًا متاحًا".

ويختم حديثه: "أتمنى ألا يضطر أي أب أو أخ إلى الوقوف أمام قبر وهو يتساءل: أين سأدفن من أحب؟ فهذا السؤال أصبح من أقسى ما فرضته الحرب على أهل غزة."

الموت أيضًا تحت الحصار

لم تعد أزمة المقابر في غزة مجرد مشكلة خدمية أو لوجستية، بل أصبحت وجهًا آخر للمأساة الإنسانية التي يعيشها القطاع. فتدمير المقابر، ونقص المساحات المخصصة للدفن، وارتفاع تكاليف القبور، أجبرت كثيرًا من العائلات على خيارات لم تكن لتخطر ببالها يومًا، كدفن أكثر من شخص في القبر الواحد أو إعادة فتح قبور العائلات.

وتبرز هذه الأزمة الحاجة الملحة إلى توفير الظروف التي تضمن كرامة الإنسان حتى بعد وفاته، بما يشمل حماية المقابر، وتوفير مساحات كافية للدفن، وإنهاء الظروف التي جعلت رحلة البحث عن قبر معاناة جديدة تضاف إلى سلسلة طويلة من معاناة سكان قطاع غزة، حيث لم يعد الموت نهاية الألم، بل بداية فصل آخر منه.