طور باحثون في الولايات المتحدة أسلاكًا نانوية مصنوعة من مادة زرنيخيد النيوبيوم (NbAs)، في إنجاز قد يمهد لاستبدال النحاس في الأجيال المقبلة من الرقائق الإلكترونية، بعدما أظهرت المادة قدرة استثنائية على تحسين كفاءة التوصيل الكهربائي كلما صغر حجمها، على عكس النحاس الذي تتراجع كفاءته عند الأبعاد النانوية.
وتعد الوصلات الكهربائية الدقيقة (Interconnects) من أهم مكونات الرقائق الإلكترونية، إذ تربط بين الترانزستورات والعناصر الداخلية للمعالج، وتسمح بانتقال الإشارات والبيانات، ما يجعل أداءها عاملاً حاسمًا في سرعة وكفاءة الشرائح الحديثة. واعتمدت صناعة أشباه الموصلات على النحاس لعقود بفضل موصليته العالية، إلا أن استمرار تصغير أحجام الرقائق كشف عن تحدٍ جوهري يتمثل في ارتفاع مقاومته الكهربائية كلما أصبحت الأسلاك أكثر نحافة، الأمر الذي يحد من تطوير معالجات أصغر وأكثر كفاءة.
وفي محاولة لتجاوز هذه العقبة، نجح فريق بحثي من جامعة كورنيل الأميركية في تصنيع أسلاك نانوية أحادية البلورة من مادة زرنيخيد النيوبيوم، وهي إحدى المواد الكمية الطوبولوجية، وفقًا لما أورده موقع Interesting Engineering.
وأظهرت نتائج الدراسة أن المادة الجديدة تتمتع بخاصية معاكسة تمامًا للنحاس، إذ تتحسن قدرتها على توصيل الكهرباء مع تقليص أبعادها، ما يمنحها ميزة واعدة لتطوير رقائق إلكترونية أسرع وأكثر كفاءة في استهلاك الطاقة.
البحث عن بديل للنحاس
شهدت صناعة أشباه الموصلات تحولًا كبيرًا عام 1997 عندما قادت شركة IBM عملية استبدال الألمنيوم بالنحاس، في خطوة هدفت إلى مواكبة التصغير المستمر للترانزستورات وزيادة كثافة المكونات داخل الشريحة الواحدة.
لكن مع الوصول إلى المقاييس النانوية، بدأت كفاءة النحاس بالتراجع نتيجة ازدياد اصطدام الإلكترونات بأسطح الأسلاك فائقة الدقة، ما يؤدي إلى تشتتها وارتفاع المقاومة الكهربائية وانخفاض كفاءة نقل الإشارات.
وأوضح الباحثون أن زرنيخيد النيوبيوم يتصرف بطريقة مختلفة؛ إذ تمتلك إلكترونات سطحه سرعة أعلى وقدرة أكبر على الحركة دون تشتت، وهو ما يمنح المادة أداءً كهربائيًا أفضل كلما انخفض قطر الأسلاك.
وقالت جودي تشا، أستاذة علوم وهندسة المواد والمؤلفة الرئيسية للدراسة، إن الإلكترونات السطحية في هذه المادة "تتحرك بسرعة كبيرة ولا تتشتت بسهولة كما يحدث في المعادن التقليدية"، مشيرة إلى أن هذه الخاصية تمنحها أفضلية واضحة على النحاس في التطبيقات النانوية.
تقنية تصنيع مبتكرة
واعتمد الفريق البحثي على تقنية تصنيع متقدمة تُعرف باسم القولبة النانوية الحرارية الميكانيكية (Thermomechanical Nanomolding)، حيث تُضغط المادة الخام داخل قوالب دقيقة مصنوعة من أكسيد الألمنيوم المسامي تحت درجات حرارة مرتفعة.
وأتاحت هذه التقنية إنتاج أسلاك نانوية أحادية البلورة عالية الجودة يمكن نقلها لاحقًا إلى رقائق السيليكون، مع إمكانية التحكم في أقطارها بدقة تصل إلى نحو 10 نانومترات.
وشبهت تشا العملية بصناعة المعكرونة، موضحة أن تغيير القالب يسمح بإنتاج أسلاك بأقطار وأشكال مختلفة باستخدام المادة الخام نفسها.
كما أسهمت هذه المنهجية في تسريع وتيرة الأبحاث، إذ ارتفعت قدرة المختبر من اختبار مادة أو مادتين جديدتين سنويًا إلى دراسة مادة جديدة تقريبًا كل شهر.
استقرار في الظروف الطبيعية
ومن أبرز مزايا زرنيخيد النيوبيوم أنه يحافظ على استقراره عند درجة حرارة الغرفة، وهي ميزة نادرة في المواد الكمية التي تتطلب غالبًا درجات حرارة منخفضة جدًا أو بيئات مخبرية خاصة للحفاظ على خصائصها.
وأكدت تشا أن أهمية الدراسة لا تقتصر على اكتشاف مادة جديدة، بل تكمن أيضًا في إثبات إمكانية الاستفادة من التأثيرات الكمية في ظروف تشغيل اعتيادية، دون الحاجة إلى عينات مثالية أو بيئات معملية معقدة، وهو ما قد يسرّع إدماج هذه المواد في التطبيقات الصناعية.
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Science العلمية، ما يعزز الآمال في تطوير بديل للنحاس يمكن أن يدعم الجيل القادم من الرقائق الإلكترونية، ويوفر أداءً أعلى وكفاءة أكبر في استهلاك الطاقة.