في مدينةٍ أنهكتها الحرب، حيث تحولت الصالات الرياضية إلى أنقاض، لم يتخلَّ أطفال وشباب غزة عن أحلامهم، وبين مبانٍ متضررة وخيام نزوح ومساحات رملية ضيقة، تعود أحزمة الكاراتيه لتُربط من جديد، لا استعدادًا لبطولة قريبة، بل في محاولة لاستعادة جزء من حياة سلبتها الحرب.
هنا، لم تعد الكاراتيه مجرد رياضة أو منافسة على الميداليات، بل تحولت إلى وسيلة لمقاومة الخوف، وتخفيف آثار الصدمات النفسية، ورسالة تقول إن الحياة قادرة على الاستمرار حتى في أكثر الأماكن قسوة؛ فكل حصة تدريبية تُقام وسط الدمار تبدو انتصارًا صغيرًا على واقع فرضته الحرب، وإعلانًا بأن الأحلام لا تزال حية.
يقول المدير الفني للاتحاد الفلسطيني للكاراتيه في المحافظات الجنوبية، وأستاذ التربية الرياضية بجامعة الأقصى، عماد حماد: "إن الحرب التي امتدت لما يقارب ثلاثة أعوام وجهت ضربة قاسية للعبة، بعدما فقدت عددًا من لاعبيها ومدربيها الذين قُتلوا خلال العدوان، إلى جانب تدمير معظم الأندية والصالات الرياضية التي كانت تحتضن التدريبات والبطولات".
ويضيف أن الاتحاد بدأ، مع فترات الهدوء النسبي، تنفيذ خطة لإعادة إحياء اللعبة، عبر التواصل مع المدربين واللاعبين الذين فرقتهم ظروف النزوح، والعمل على جمعهم مجددًا داخل أماكن بديلة تسمح باستئناف التدريبات.
ويؤكد حماد أن الهدف لم يكن رياضيًا فحسب، بل إنسانيًا ونفسيًا أيضًا، موضحًا: "أردنا أن نوفر للأطفال والشباب مساحة يتنفسون فيها بعيدًا عن أجواء الحرب، وأن نساعدهم على استعادة شعورهم بالأمان والانتماء من خلال الرياضة."
لكن الطريق لم يكن سهلاً، فغياب الصالات الرياضية كان أكبر العقبات، ويشير إلى أن جميع الأندية تقريبًا تعرضت للتدمير، ومنها نادي غزة الرياضي الذي كان يحتضن تدريبات أكاديمية العميد، الأمر الذي دفع الاتحاد إلى البحث عن أي مكان يمكن أن يجمع اللاعبين، حتى استضافهم مركز "متعة التعلم"، الذي فتح أبوابه لاستئناف التدريبات واستقبال جيل جديد من الممارسين.
أما اللاعبة حلا عماد حماد، فتتحدث عن سنوات توقفت خلالها عن ممارسة الرياضة قسرًا، بعدما اختفت الملاعب والأندية التي كانت تتدرب فيها.
وتقول "إن الكاراتيه بالنسبة لها ليست مجرد هواية، بل أسلوب حياة منحها القوة والثقة بالنفس، وساعدها دائمًا على تجاوز الضغوط، مضيفة أن العودة إلى التدريب بعد كل ما عاشته خلال الحرب كانت حاجة نفسية قبل أن تكون رياضية".
ورغم كل ما حدث، لم تتخلَّ حلا عن حلمها، فما زالت تطمح إلى تمثيل فلسطين في البطولات الدولية، وتأمل أن تستعيد الرياضة في غزة عافيتها، لتعود المنافسات المحلية والخارجية كما كانت.
الحلم ذاته يحمله اللاعب يونس اللبان، الذي يروي كيف أوقفت الحرب مسيرة كان يطمح من خلالها إلى تحقيق المزيد من الإنجازات.
ويقول إنه قبل اندلاع الحرب حقق المركز الثاني على مستوى قطاع غزة، والثالث على مستوى فلسطين، وكان يستعد للمشاركة في بطولة فلسطين التي كان من المقرر إقامتها في الضفة الغربية في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، إلا أن الحرب ألغت كل شيء.
ويضيف أن سنوات التوقف كانت من أصعب الفترات التي مر بها اللاعبون، لكن ارتباطهم بالكاراتيه لم ينقطع، لأنها علمتهم الصبر والانضباط والثبات.
ويمارس اللبان هذه الرياضة منذ ثلاثة عشر عامًا، ويؤكد أن عودته إلى التدريبات كانت بمثابة استعادة لحلم كاد أن يضيع، معربًا عن أمله في العودة إلى المنافسات فور تحسن الظروف.
ورغم الدمار الذي ابتلع الأندية، والخيام التي حلت محل الصالات الرياضية، يواصل لاعبو الكاراتيه في غزة تدريبهم بإصرار. وبين الركام، لا يبحث هؤلاء عن ميدالية بقدر ما يبحثون عن حياة طبيعية سلبتها الحرب.
وفي كل ضربة، وكل حركة، وكل حزام يُربط من جديد، تتجسد رسالة صامتة مفادها أن الإرادة لا تُهزم، وأن الأحلام، مهما أثقلها الركام، قادرة على الوقوف من جديد.
