غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

من الجُب إلى الحكم: سورة يوسف خارطة طريق لتحرير الإنسان ونهضة الأمة 

فارس فحماوي
بقلم/ الباحث في الفكر السياسي الإسلامي فارس رفيق فحماوي

الحمد لله الذي أحسن القصص، والصلاة والسلام على من أوتي جوامع الكلم.

إن سورة يوسف ليست قصة تاريخية تُروى للتسلية، بل هي دستور رباني في إدارة الدول، وتحرير الشعوب، وبناء نهضة الأمم.

{لَقَدْ كَانَ فِي قَصِصهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}

أولاً: خط الجماهير... من القاع إلى القمة

سبق القرآن كل نظريات الإدارة الحديثة في "النزول للجماهير" بأربعة عشر قرناً.

نزل يوسف عليه السلام إلى الناس قبل أن يحكمهم: {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ}. 

كسب قلوبهم بالإحسان قبل أن يطلب منهم الطاعة: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}. 

ولم يتصدر المشهد حتى فهم أزمتهم وقدّم لهم الحل العملي: {تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا}.

هكذا تُبنى الدول... من رحم معاناة الناس، لا من الأبراج.

ثانياً: ثلاث قواعد للتحرير في مدرسة يوسف

1. قاعدة إدارة الأزمات 

وضع خطة لـ 14 سنة لمواجهة المجاعة قبل وقوعها. 

الدرس: الأمم العظيمة تُخزن وتعد القوة في زمن الرخاء، وتستعد للابتلاء قبل أن يطرق الباب.

2. قاعدة صناعة النخبة القيادية

الجُب + بيت العزيز + السجن = جامعة يوسف. 

الابتلاء لم يكسره بل صنعه. فالقائد الذي سيحرر الأمة لا يخرج من الأبراج، بل من رحم المحنة.

3. قاعدة توحيد الجبهة الداخلية 

بعد التمكين قال لإخوته: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ}. 

العفو عند المقدرة هو سر استقرار الدولة. فلا تحرير مع انقسام، ولا نهضة مع تشفي بل تسامح واعتصام ووحده.

ثالثاً: الإعلام... صناعة الرصيد قبل التمكين

قبل أن يستلم يوسف الحكم، سبقته سمعته. 

{وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ} 

من الذي أوصل اسم يوسف للملك؟ الساقي الذي رآه في السجن: {وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ}.

الدرس: الرصيد الأخلاقي والعلمي يصنع "إعلام الجماهير". 

الناس هي التي تتحدث عنك، وتزكيك، وتطالب بك. 

فلا تمكين لقائد مجهول، ولا نهضة لأمة بلا رموز تثق بهم الجماهير.

رابعاً: التمكين ثمرة التقوى والصبر

ختم الله القصة بقاعدة ذهبية: {وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ}. 

التمكين لم يأت بالتمني، بل بـ {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}.

دعوة في سبيل الله

أيها الأحرار في كل مكان... 

إن طريق التحرير في فلسطين وفي كل أرض محتلة يبدأ من هنا: 

أن ننزل إلى هموم الناس فنحسن إليهم، وأن نستشرف أزماتهم فنستعد لها، وأن نصبر على الابتلاء، وأن نصدق مع الله في كلمتنا وإعلامنا، وأن نعفو عند المقدرة.

اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، 

اللهم مكّن للمستضعفين في الأرض، وانصر أهل الرباط في فلسطين وفي كل مكان، اللهم أخرج من أمتنا جيل يوسف... جيلاً يقيم العدل، ويحفظ العباد والبلاد، ويعيد لهذه الأمة عزها ومجدها.

فاثبتوا... فإن وعد الله حق، وإن مع العسر يسرا.

"جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز".