كانت عقارب الساعة تقترب من الثالثة فجراً، حين مزق هدوء الليل صوت الانفجارات، وتحولت شقة عائلة المصري قرب مفترق السامر في مدينة غزة إلى كتلة من النار والدخان، بعدما استهدفتها طائرات حربية بثلاثة صواريخ على الأقل.
في تلك اللحظات القاسية، لم يكن أبو أحمد يرى سوى ألسنة اللهب وهي تلتهم المكان، ولم يكن يسمع سوى صرخات الأطفال القادمة من خلف الجدران المشتعلة: "يا عمي.. الحقنا".
كلمات قليلة خرجت من بين الخوف والدخان والنار، لكنها وقعت في قلبه كصرخة لا يمكن نسيانها، حاول التقدم نحو الغرفة التي كان يوجد فيها أطفال شقيقه، إلا أن شدة النيران وقفت حائلاً بينه وبينهم.
وبصوت يختلط فيه البكاء بالعجز، ظل يصرخ: "هيني وصلت يا عمي.. تعالوا لعندي"، محاولاً اختراق جدار النار لإنقاذهم، قبل أن يسارع لجلب ما توفر لديه من مياه، لعلها تطفئ شيئاً من لهيبٍ كان أقوى من كل المحاولات.
وجد أبو أحمد نفسه في لحظة لا تشبه أي لحظة أخرى؛ بين خوفه على أطفاله الذين بدأ الدخان يخنق أنفاسهم، وبين صرخات أبناء شقيقه الذين كانوا يستغيثون خلف النار، لحظات ثقيلة لم تمنحه فرصة للتفكير، قبل أن تصرخ والدته: "أنقذ أطفالك بسرعة.. النار أكلت عائلة أخوك".
وفي محاولة أخيرة للنجاة، حمل أبو أحمد أطفاله وألقاهم من النافذة، حيث كان الجيران في الأسفل ينتظرون لالتقاطهم، قبل أن يخرج هو ووالدته وسط سحابة من الدخان وألسنة اللهب التي كانت تبتلع المكان.
يقول أبو أحمد: "خرجت خوفاً على أطفالي ونفسي، وبعد ثلاث دقائق فقط عدت إلى الشقة، لكنني وجدتها قد احترقت بالكامل، لم يبقَ منها سوى آثار السواد على الجدران والخشب".
في تلك الليلة، لم تُطفئ النيران حريقاً فقط، بل أطفأت حياة عائلة كاملة؛ فقد استشهد فراس المصري وزوجته سلسبيل وأطفالهما الأربعة نعيم فراس المصري (13 عاماً)، وشقيقاته فريال (11 عاماً)، وسلمى (9 أعوام)، وأميرة (6 أعوام). لتُضاف أسماؤهم إلى قائمة العائلات التي غابت من السجل المدني تحت القصف الإسرائيلي.
هذه الجريمة الإسرائيلية البشعة بحث عائلة المصري تضاف إلى سلسلة من الجرائم الإسرائيلية المستمرة منذ بداية الإبادة في السابع من أكتوبر 2023 وما زالت إسرائيل تواصل ارتكاب الجرائم رغم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة في 10 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.
ورغم اتفاق وقف إطلاق النار الموقع؛ إلا أن إسرائيل تواصل خرقه دون رادع، عبر القصف الجوي والمدفعي تجاه أماكن النازحين، إلى جانب عمليات النسف والتدمير داخل ما يعرف بالخط الأصفر، مع الاستمرار في القيود على حركة البضائع والمساعدات والسفر.
ووفق بيانات وزارة الصحة الفلسطينية، ارتفع عدد الشهداء منذ بدء وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025 إلى 1168 شهيدا، إضافة إلى 3798 مصابا، إلى جانب تسجيل 802 حالة انتشال.
كما بلغت الحصيلة الإجمالية للعدوان منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 نحو 73,293 شهداء و173,906 إصابة، في مؤشر على الكلفة البشرية الثقيلة لعدوان الاحتلال المستمر على القطاع.