في كل مرة يرن فيها جهاز غسيل الكلى داخل مجمع الشفاء الطبي، يدرك المرضى أن ساعات قليلة فقط تفصلهم بين الحياة والمضاعفات الخطيرة؛ لكن مع النقص المتكرر في المستلزمات الطبية الأساسية، لم تعد معركة مرضى الفشل الكلوي تقتصر على مواجهة المرض، بل أصبحت صراعًا يوميًا مع نقص العلاج، وتقلص جلسات الغسيل، وصعوبة الوصول إلى المستشفى، في ظل واقع إنساني يزداد قسوة.
داخل وحدة غسيل الكلى، يجلس عشرات المرضى بانتظار دورهم، بينما يعمل الطاقم الطبي بإمكانات محدودة للحفاظ على استمرارية الخدمة، ويقول الدكتور خضر حسين، مشرف أقسام الكلى في مجمع الشفاء الطبي، إن القسم يقدم خدماته لنحو 250 مريضًا يعتمدون بشكل كامل على جلسات الغسيل الدموي، حيث يحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعيًا، مدة كل جلسة أربع ساعات.
وأوضح أن نجاح العلاج يعتمد بصورة أساسية على توفر المستلزمات الطبية، وعلى رأسها مادة بيكربونات الصوديوم المستخدمة في عملية الغسيل، مشيرًا إلى أن أي نقص في هذه المواد يجبر الطواقم الطبية على تقليص ساعات الجلسات وعددها، وهو ما ينعكس مباشرة على صحة المرضى.
وأضاف أن إدارة القسم اتخذت خلال الأسابيع الماضية إجراءات احترازية لتقليل استهلاك المواد الطبية عبر خفض ساعات الغسيل وعدد الجلسات، إلا أن نفاد الكميات المتوفرة أدى إلى ضغط كبير على الأجهزة العاملة بالنظام البديل، ما تسبب في تراجع جودة الخدمة وازدياد معاناة المرضى.
ويحذر حسين من أن تقليص جلسات الغسيل لا يعني فقط شعور المريض بالإرهاق، بل يؤدي إلى تراكم السموم والسوائل داخل الجسم، وارتفاع ضغط الدم، وتجمع السوائل في الرئتين، وانتفاخ الأطراف، مؤكداً أن استمرار هذا الوضع لفترات طويلة قد يقود إلى مضاعفات خطيرة قد تنتهي بالوفاة.
وأشار إلى أن الحرب أدت كذلك إلى تراجع عدد مراكز غسيل الكلى العاملة في قطاع غزة، بعد خروج عدد من الوحدات عن الخدمة، ما ضاعف الضغط على المراكز المتبقية، وأجبر المرضى على قطع مسافات طويلة في ظل أزمة مواصلات خانقة وتكاليف تفوق قدرتهم.
كما لفت إلى أن الأزمة لا تقتصر على مستلزمات الغسيل فقط، بل تمتد إلى نقص أدوية أساسية، أبرزها هرمون الإريثروبويتين غير المتوفر منذ أكثر من عام ونصف، وهو العلاج المسؤول عن الحد من فقر الدم لدى مرضى الفشل الكلوي، الأمر الذي يدفع كثيرًا منهم للاعتماد على نقل الدم بصورة متكررة.
ورغم بدء وصول كميات جديدة من مادة بيكربونات الصوديوم، يؤكد حسين أن عودة الجلسات إلى برنامجها الطبيعي تبقى مرهونة باستمرار تدفق الإمدادات الطبية، داعيًا إلى توفير احتياجات المرضى بشكل منتظم، لأن أي انقطاع جديد سيعيد الأزمة من بدايتها.
في المقابل، تختصر إحدى مريضات الفشل الكلوي حجم المعاناة التي يعيشها المرضى يوميًا، وتقول إنها تعاني من المرض منذ خمسة عشر عامًا، وكانت قبل الحرب تمارس حياتها بشكل طبيعي، تعمل وتتنقل وتعتمد على ثلاث جلسات غسيل أسبوعيًا مدة كل منها أربع ساعات.
لكن مع اندلاع الحرب تبدلت حياتها بالكامل، إذ تقلصت جلسات الغسيل إلى جلستين أسبوعيًا ولساعات أقل، ما أدى إلى تراكم السموم والسوائل داخل جسدها، وأفقدها القدرة على الحركة تدريجيًا، حتى أصبحت تعتمد على وسيلة مساعدة للتنقل بعد أن كانت تمشي بصورة طبيعية.
وتضيف أن أصعب ما عاشته كان خلال فترات النزوح، عندما كانت تضطر للخروج في ساعات الليل المتأخرة للوصول إلى جلسة الغسيل وسط القصف والخوف وانعدام وسائل النقل، مؤكدة أن رحلة العلاج كانت في كثير من الأحيان أشد قسوة من المرض نفسه.
وتروي أن عائلتها تضم ثلاثة مرضى فشل كلوي، وكانوا جميعًا يتنقلون مع مرافق واحد فقط، في ظروف وصفتها بأنها من أصعب ما مرت به خلال سنوات المرض، مشيرة إلى أن نقص ساعات الغسيل ترك آثارًا واضحة على صحتها وأدى إلى تدهور حالتها الجسدية.
أما بلال إسماعيل لباد، الذي يرافق والده وعمتيه المصابين بالفشل الكلوي، فيقول إن مسؤولية مرافقة ثلاثة مرضى أصبحت عبئًا يوميًا في ظل غياب وسائل النقل وصعوبة الحركة، خاصة أن والده أصبح يستخدم الكرسي المتحرك بعد أن تدهورت حالته الصحية نتيجة تقليص العلاج.
ويضيف أن أفراد عائلته كانوا قبل الحرب يحصلون على ثلاث جلسات أسبوعيًا، إلا أن الأزمة الأخيرة خفضت عدد الجلسات وساعاتها، وهو ما تسبب في زيادة معاناتهم وتراجع قدرتهم على الحركة، إلى جانب استمرار النقص في الأدوية الأساسية.
ويستذكر إحدى أصعب الفترات خلال النزوح، عندما بقي المرضى أسبوعًا كاملًا دون جلسات غسيل بسبب انتقالهم بين المناطق وخروج بعض المستشفيات عن الخدمة، مؤكداً أن ذلك ترك آثارًا صحية خطيرة ما زالوا يعانون منها حتى اليوم.
ورغم الإعلان عن دخول شحنات جديدة من مادة بيكربونات الصوديوم، فإن العاملين في القطاع الصحي يؤكدون أن الأزمة لم تنتهِ بعد، فاستمرار الخدمة يتطلب تدفقًا منتظمًا للمستهلكات والأدوية، إضافة إلى إعادة تشغيل مراكز الغسيل المتوقفة وتسهيل وصول المرضى إليها.
في غزة، لا يقاس الوقت بالساعات، بل بعدد جلسات الغسيل التي ينجح المريض في الوصول إليها. وبين نقص المستلزمات الطبية، وتراجع الخدمات، وصعوبة التنقل، يبقى مرضى الفشل الكلوي معلقين بين أمل وصول العلاج، وخوف دائم من أن تتحول أي أزمة جديدة إلى حكم بالموت البطيء، بينما يظل الحق في العلاج حقًا ينتظر أن يصبح واقعًا.
