لم تكن الزراعة جزءًا من حياة أنس عبد، النازح من شمال قطاع غزة، سوى اهتمام عابر لا يتجاوز حدود الهواية. لكنه مع اندلاع الحرب وما رافقها من إغلاق للمعابر، وشح في المواد الغذائية، وارتفاع حاد في الأسعار، وجد نفسه أمام واقع جديد دفعه للبحث عن وسيلة مختلفة لتأمين جزء من احتياجات أسرته.
في خضم الأزمة، تحولت الخيمة التي يعيش فيها إلى مساحة صغيرة للإنتاج، وأصبح التراب ملاذًا لمحاولة تحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي، بعدما بات الحصول على الغذاء تحديًا يوميًا.
يقول أنس إن فكرة الزراعة لم تولد من شغف سابق، بل كانت استجابة مباشرة للظروف التي فرضتها الحرب: "بعد التجويع وإغلاق المعابر وغلاء الأسعار، أدركنا أننا لا نستطيع الاعتماد على السوق وحده. كان لا بد أن نحاول إنتاج شيء بسيط داخل البيت أو الخيمة".
بدأت تجربته بشراء شتلات جاهزة من البندورة والباذنجان، لكنه مع استمرار الأزمة اتجه إلى حلول أقل تكلفة. فبدل التخلص من الثمار التالفة في الأسواق، بدأ يستخرج منها البذور ويعيد زراعتها، في محاولة لتحويل ما يُهدر إلى مصدر للحياة.
ويقول: "كنت آخذ بذور البندورة من الثمار التالفة، أزرعها في حوض صغير، وبعد أن تنمو الشتلة أنقلها إلى الأرض. فوجئت بأنها نجحت وأثمرت. كررت التجربة مع الشمام، كما زرعت اللوبيا اليابسة المخصصة للطهي ونجحت أيضًا".
ومع مرور الوقت، تحولت المساحة الصغيرة التي بدأ بها إلى حديقة متنوعة تضم البندورة، والباذنجان، والفلفل، والجرجير، والريحان، والشمام، واللوبيا، واليقطين، إلى جانب محاولات لزراعة أشجار مثمرة مثل التين والليمون والزيتون.
الزراعة.. رعاية تشبه تربية الأطفال
يرى أنس أن الزراعة لم تعد مجرد وسيلة للحصول على الطعام، بل أصبحت مسؤولية يومية تحتاج إلى الصبر والمتابعة.
ويقول: "العناية بالنبتة تشبه تمامًا العناية بالطفل الصغير، إذا لم تتابعها كل يوم فلن تنجح".
لكن الطريق لم يكن سهلًا، إذ واجه تحديات عدة، أبرزها ملوحة المياه التي تسببت في اصفرار بعض النباتات وضعف نموها، إضافة إلى انتشار الآفات الزراعية ونقص المبيدات والمستلزمات.
وحاول أنس الاعتماد على بعض الوصفات المنتشرة عبر الإنترنت لمكافحة الحشرات، لكنه اكتشف أن التجربة قد تكون مكلفة أحيانًا.
يبتسم وهو يتذكر إحدى المحاولات قائلاً: "شاهدت طريقة لمكافحة الحشرات باستخدام الفلفل وبعض المكونات الأخرى، جربتها على إحدى الأشجار، لكنني قضيت على الشجرة بدل الحشرة. تعلمت بعدها ألا أطبق كل ما أراه دون معرفة".
من بقايا الخضار إلى سماد طبيعي
لم يتوقف بحث أنس عند زراعة البذور، بل بدأ في الاستفادة من المخلفات العضوية لصناعة سماد طبيعي يساعد النباتات على النمو.
ويشرح طريقته قائلاً: "نجمع بقايا الخضار التالفة، وننقعها في الماء أو نتركها تتخمر عدة أيام، ثم نستخدمها كسماد. كما نستفيد من أوراق الأشجار بعد تحللها ونخلطها بالرمل لتحسين التربة".
ورغم الخسائر المتكررة، يعتبر أنس كل تجربة فرصة للتعلم، وكل ثمرة تنجح بمثابة انتصار صغير في مواجهة ظروف الحرب.
ويقول: "عندما ترى أول حبة بندورة نمت بيديك تشعر بفرحة كبيرة. أن تقدم لأسرتك طبق سلطة من محصول زرعته بنفسك يمنحك إحساسًا بأنك استطعت أن تفعل شيئًا رغم كل الصعوبات".
الزراعة.. من الهواية إلى وسيلة للبقاء
يؤكد أنس أن ما يفعله لم يعد حالة فردية، بل أصبح ظاهرة منتشرة بين كثير من سكان قطاع غزة، حيث دفعت الحرب عائلات كثيرة إلى استغلال أي مساحة متاحة حول الخيام أو المنازل لزراعة بعض المحاصيل.
ويقول: "قبل الحرب لم يكن معظم الناس يفكرون في الزراعة بهذا الشكل، لأن المواد كانت متوفرة في الأسواق. أما اليوم فأصبحت الزراعة وسيلة للبقاء، وكل بيت يحاول أن ينتج شيئًا مما يحتاجه".
ورغم قسوة الظروف، يتمسك أنس بحلمه بأن تكبر حديقته الصغيرة يومًا بعد يوم، وأن تتحول إلى مساحة مليئة بأشجار التين والزيتون والليمون.
ويختصر رؤيته بقوله: "الزراعة أعادت إلينا شيئًا من الأمل، وأثبتت أن الحياة يمكن أن تنبت حتى في أصعب الظروف".
في غزة، لم تعد الزراعة مجرد نشاط جانبي، بل تحولت إلى شكل من أشكال الصمود ومحاولة لاستعادة السيطرة على تفاصيل الحياة اليومية. فمن بقايا الثمار وأبسط الأدوات، تنبت محاولات جديدة للبقاء، وتحمل كل بذرة رسالة مفادها أن إرادة الحياة أقوى من قسوة الواقع.
