قائمة الموقع

فلسطين قضية نهضة لا قضية بيانات

2026-07-24T22:39:00+03:00
فارس فحماوي
شمس نيوز -

*فارس رفيق فحماوي*

 *باحث في الفكر السياسي الإسلامي المقارن*

أعترف أني مثل كثيرٍ من المشتغلين بالتنظير السياسي في هذا الزمن، كلامٌ يُستهلك وتحليلٌ يُعاد وشعاراتٌ تُرفع في المناسبات ثم نعود إلى رتابة أيامنا كأن شيئاً لم يكن. فعل سراب، وزبدٌ يذهب جفاء. حوّلنا فلسطين من قضية أمة ووجود إلى فقرة في نشرة الأخبار، ومن مشروع تحرير إلى مادة استهلاك إعلامي، نتقن تشخيص الداء ونبرع في وصف الدواء ثم نعجز عن الخطوة الأولى. وللإنصاف فإن تعثر الجيل السابق لم يكن منقصة صدق ولا نقص تضحية، فالتاريخ يشهد بالدماء التي سُكبت وبالمنافي التي احتُضنت وبصمودٍ أسطوري في وجه آلة احتلال، ولكن التعثر الحقيقي جاء من انحرافات في البوصلة ومن خطوط سياسية أتاهت خارطة الطريق إلى الانتصار، حين تحوّلت "فلسطين" في الخطاب السياسي من قضية تحرير إلى قضية حدود، وحين صار العدو "شريكاً محتملاً في السلام" بدل أن يبقى "محتلاً يجب دحره"، وحين صارت الحسابات الإقليمية والدولية أهم من بوصلة الأمة. في تلك اللحظة لم نعد نسير نحو التحرير بل صرنا ندور في فلك التسوية، وضاعت العقود بين مؤتمر وآخر وبين مبادرة وأخرى، حتى صار "الواقعية السياسية" مرادفاً للتنازل و"البراغماتية" غطاءً للعجز. وهنا يأتي جوهر الفهم، فالقضية اليوم ليست قضية بيانات شجب ولا قضية مساعدات إنسانية، فلسطين هي عنوان نهضة أمة الإسلام والعروبة. هذه ليست جملة عاطفية بل معادلة تاريخية، فلا يمكن لأمة أن تنهض وجزء من جسدها محتل، ولا يمكن لكرامة أن تعود وقدسها مأسور، ولا يمكن لمشروع حضاري أن يولد والقدس عاصمة مزعومة لدولة دخيلة. من هنا نفهم أن تحرير فلسطين ليس هدفاً من بين أهداف إنه الشرط، وأن العدو الصهيوني المسمى "إسرائيل" ليس طرفاً في صراع حدود بل هو رأس حربة في مشروع إجهاض نهضة هذه الأمة، فالصراع ليس على قطعة أرض بل على هوية أمة وحضارتها. ما دام الاحتلال قائماً ستبقى الأمة في حالة استنزاف، وما دام الاحتلال قائماً سيبقى كل حديث عن نهضة مجرد أمنيات. بحمد الله ما زال الأمل حياً، ليس فينا نحن الذين أثقلتنا المسارات القديمة، بل في جيلٍ قادمٍ مؤمن، جيلٍ لم تلوثه أوهام التسوية ولم يرضخ لمنطق العجز، جيلٍ قرأ التاريخ بغير نظارات الهزيمة، جيلٍ حتماً قادم سيعيد رسم الخارطة على أصلها الأول: تحرير كل فلسطين. جيلٌ سيدوس الهزيمة بقدميه وسيفكك سردية "الدولة التي لا تُقهر" وسيدحر العدو الصهيوني ويعيد القدس إلى أهلها ويعيد للأمة بوصلتها المفقودة، لأن قانون التاريخ لا يكذب: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ والوعد حق. ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ فلنسأل أنفسنا أي زبد نحن وأي مكث نريد، فالمطلوب اليوم ليس مزيداً من الكلام بل وعيٌ يعيد ترتيب الأولويات وفهمٌ يعيد تحرير فلسطين إلى مكانها كعنوان للنهضة. اللهم اجعلنا من الممهدين وإن لم نكن من المحررين، اللهم انصر عبادك المستضعفين واربط على قلوبهم.

اخبار ذات صلة