قائمة الموقع

المستوطنون ذراعاً ضاربةً لجيش العدو: بداية حملة عقاب جماعي على نابلس

2026-07-25T08:56:00+03:00
2.webp
شمس نيوز -

شهدت الضفة الغربية المحتلّة، أمس، تصعيداً دامياً يَصعب فصله عن المسار الذي بدأ منذ تشرين الأول 2023، والذي تحوّلت معه الضفة إلى ساحة حرب موازية لحرب غزة، اتّخذت صوراً متعدّدة من بينها تكثيف الاحتلال للاعتقالات والاقتحامات والاغتيالات، إلى جانب تصاعد اعتداءات المستوطنين على نحو غير مسبوق. غير أن ما حملته أحداث الساعات الأخيرة في الضفة، من حيث كثافة الأحداث، وتزامنها الجغرافي، بالتوازي مع أكبر اقتحام لـ«المسجد الأقصى» منذ احتلاله عام 1967، يشي بأن المنطقة دخلت طوراً أشدّ خطورة من التصعيد، تسعى فيه إسرائيل إلى تحويل عنف المستوطنين إلى أداة لفرض وقائع جديدة. وكانت خصّصت حكومة الاحتلال، قبل عشرة أيام، 8.5 مليارات شيكل (نحو 2.8 مليار دولار)، لتوسيع مستوطنات الضفة، ضمن اتفاق يشمل بناء 12 ألف وحدة استيطانية ومشاريع بنى تحتية كبرى.

ومثّلت بلدة تل، جنوب غربي نابلس، مسرحاً للحدث الأكثر دموية، حيث هاجمت عصابات من المستوطنين منازل المواطنين في الجهة الشرقية من البلدة، وحاولت إحراق منازلهم وممتلكاتهم. وإذ تصدّى الأهالي للمهاجمين وأجبروهم على الانسحاب، فقد عاد هؤلاء، بعد نحو نصف ساعة، بأعداد أكبر لتنفيذ هجوم أوسع، تطوّر إلى اشتباكٍ بالأيدي. وعندها، تدخلت قوات الاحتلال إلى جانب المستوطنين، وأطلقت النار عشوائياً على الأهالي، ما أدى إلى استشهاد أربعة شبان من عائلة واحدة -هم شقيقان وابنا عمومتهما (إبراهيم حسين علي رمضان، وجواد حسين علي رمضان، وفاروق عدنان علي رمضان، وعمران أحمد علي رمضان)-، وإصابة أربعة آخرين، ثلاثة منهم بجروح حرجة.

وسرعان ما تدحرجت المواجهات إلى مناطق أخرى، أبرزها قرية فرعتا في محافظة قلقيلية، التي تعرّضت لهجوم من عصابات المستوطنين الذين أطلقوا النار على المواطنين، ما أدى إلى إصابة خمسة من هؤلاء، بعضهم بحالات خطرة. كما هاجم مستوطنون بلدة صرّة الواقعة في محافظة نابلس، وأحرقوا منزلاً واعتدوا على ممتلكات الأهالي، الأمر الذي تسبّب بإصابة ثلاثة فلسطينيين. كذلك، طاولت الاعتداءات مركبات فلسطينية وقرى جنوب نابلس، بينها جيت وعراق بورين، إلى جانب هجمات في محافظات نابلس وطولكرم وجنين وقلقيلية.

وفي سياق أحداث تل، أعلن جيش الاحتلال مقتل جنديَّين إسرائيليين، وهما الرائد يوفال عزرا (27 عاماً)، الذي يشغل منصب «قائد وحدة» في «سلاح المدرعات»، والرقيب أول بيناياهو ميليت (32 عاماً)، وهو أحد جنود «فرقة الاستنفار» في مستوطنة «حفات جلعاد»، ومعروف بمشاركته المتكرّرة في الاعتداءات على القرى المجاورة، فضلاً عن إصابة ثلاثة مستوطنين آخرين، أحدهم بجروح حرجة. ومن جهتها، أفادت «إذاعة الجيش»، استناداً إلى التحقيق الأولي، بأن الشهيد فاروق عدنان علي رمضان انتزع سلاح أحد عناصر أمن المستوطنين خلال الاشتباك، ثمّ أطلق النار على القوة المهاجمة.

يمثّل إلغاء إجازات الجنود مؤشراً عملياتياً على حملة عسكرية طويلة، على غرار ما شهدته مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس

ورغم أن مقتل هؤلاء جاء خلال تصدّي الأهالي لهجوم استيطاني، حوّلت إسرائيل الحادثة، على الفور، إلى ذريعة لتصعيد عسكري وسياسي واسع. إذ فرض جيش الاحتلال طوقاً على نابلس وبلدة تل، ودفع بكتيبة إضافية وخمس سرايا لتعزيز قواته في الضفة، فيما أصدر رئيس الأركان، إيال زامير، توجيهات بإرسال «تعزيزات واسعة النطاق» إلى «القرى التي تشكل مصدراً للإرهاب»، واعتقال جميع مَن وصفهم بـ«المتورطين» في الحادثة. كذلك، أمر رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، ووزير الأمن، يسرائيل كاتس، بهدم منزل الشهيد الذي انتزع السلاح، ومصادرة الأسلحة من عدد من القرى، وسحب تصاريح العمل من سكانها، في وقت اقتحمت فيه 15 آلية عسكرية إسرائيلية مدينة نابلس، وداهم جنودها «مستشفى نابلس التخصصي»، معتقلَين فلسطينيَّين اثنين من داخله، أحدهما مصاب، بذريعة مشاركتهما في أحداث تل. وامتدّت العملية الانتقامية أيضاً إلى رام الله، حيث اقتحمت قوات الاحتلال قرية دير جرير، شرقي رام الله.

ولم يقتصر الاستثمار الإسرائيلي للحادثة على ما تَقدّم؛ بل طالب وزير «الأمن القومي»، إيتمار بن غفير، بأن يكون «مصير كلّ قرية وبلدة في الضفة كمصير بيت حانون في غزة»، داعياً إلى تدمير منازل الفلسطينيين من الجو وبواسطة جرافات «D9». كما طالب وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، بدوره، باتخاذ «إجراءات حازمة ضدّ القرية ومحيطها»، فيما أعلن نتنياهو عقد اجتماع أمني عاجل، متوعّداً باتّخاذ «إجراءات حاسمة ضدّ الإرهابيين ومَن يقف وراءهم». ويستبطن هذا التطابق بين خطاب الوزراء وتوجّهات القيادتَين السياسية والعسكرية، إشارة إلى الرغبة في استغلال الحادثة لتبرير خطوات أوسع، أبرزها التوسع الاستيطاني والهدم.

وقبل ساعات من أحداث تل، كانت شهدت بلدة بيت فوريك، شرقي نابلس، واقعة مشابهة؛ إذ أضرم مستوطنون النار في أراضي بيت فوريك وسالم وبيت دجن. وحين حاول الأهالي إخماد الحرائق، اندلعت مواجهات أطلق خلالها مستوطن النار على فلسطينيين، فيما أصيب مستوطن آخر بجروح خطرة. وهنا أيضاً، سارعت حكومة الاحتلال إلى توظيف الواقعة؛ إذ أشاد كاتس بـ«القضاء على المنفذين»، مدّعياً انخفاض ما سمّاه «الإرهاب الفلسطيني» بنسبة 80%، فيما أعلن سموتريتش تسريع إقامة مستوطنة «شاليم»، والدفع نحو هدم مبانٍ فلسطينية بذريعة «تعزيز الحوكمة». أمّا في جنين، فاستشهد الشاب يزن صوافطة، الأربعاء، برصاص قوات الاحتلال قرب موقع عسكري أُقيم حديثاً في منطقة مستوطنة «غانيم»، التي تسعى حكومة الاحتلال إلى إعادة بنائها. ووصفت إسرائيل هذه الحادثة الأخيرة بأنها عملية طعن، من دون وجود تأكيد فلسطيني مستقلّ لروايتها.

ورغم تباين تفاصيل تلك الوقائع المتلاحقة، فإنها تتقاطع عند نقطة واحدة، هي أن المستوطنين يبادرون إلى الاعتداء على الأراضي الفلسطينية وأهاليها أو التوغل فيها، فيما يوفّر جيش الاحتلال الغطاء لهم، ثم يُحوَّل ردّ الفلسطينيين، دفاعاً عن النفس أو الأرض أو المنازل، إلى «عملية إرهابية»، تُستثمر لتبرير العقاب الجماعي. ومنذ بداية عام 2026، ارتفع عدد الشهداء في الضفة إلى 86 فلسطينياً، بينهم 21 استشهدوا برصاص المستوطنين، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية.

ويكتسب التصعيد الميداني بعداً أشدّ خطورة حين يُقرأ بالتوازي مع اقتحام «المسجد الأقصى»، الذي دخله 4288 مستوطناً في يوم واحد، بمناسبة ما يسمّى «ذكرى خراب الهيكل»، في أعلى رقم يُسجّل في هذه المناسبة. وجاء الاقتحام وسط إغلاق شبه كامل للمسجد أمام المصلّين، وحصر دخول الفلسطينيين في مَن تجاوزوا الثمانين من العمر، في مقابل السماح للمستوطنين بتأدية طقوس تلمودية علنية بحماية الشرطة، وبمشاركة بن غفير وعدد من أعضاء «الكنيست».

وينبئ هذا الاقتحام بانتقال إسرائيل من سياسة «إدارة الصراع» إلى توظيف «عقيدة الخلاص» لحسم السيادة على «الأقصى»، وتسريع عملية إعادة تشكيل مستقبل الضفة والقدس، لا سيما مع تصريحات كاتس عن «الحسم»، وربط التوسّع الاستيطاني بمفهوم «الأمن القومي الإسرائيلي». وفي مؤشر على حجم التصعيد المرتقب، أعلن جيش الاحتلال أن قواته تستعدّ لتنفيذ «نشاط عملياتي واسع» في الضفة، وأنه قرّر إلغاء إجازات الجنود وتعزيز القوات المنتشرة في مختلف أنحاء المنطقة.

ويمثّل إلغاء إجازات الجنود مؤشراً عملياتياً على أن القيادة العسكرية لا تخطّط لتحرك محدود ينتهي سريعاً، إنما لحملة قد تستمرّ مدة أطول، على غرار ما شهدته مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، حيث تحوّلت «العمليات النوعية» إلى اجتياحات امتدّت أسابيع وأشهراً. أما تعزيز القوات في «مختلف أنحاء الضفة»، وليس في نابلس وحدها، فيشي بأن التخطيط العسكري لا يقتصر على معاقبة تل ومحيطها، بل يستبق احتمال اتّساع رقعة المواجهة إلى محافظات أخرى، لا سيما في ظلّ الاحتقان المتصاعد الذي أنتجته اعتداءات أمس.

المصدر: الأخبار اللبنانية

اخبار ذات صلة