مع بزوغ كل صباح، تستيقظ أم محمد على سؤال واحد يطاردها بلا هوادة: هل سيمر هذا اليوم بسلام حتى يبقى جنيني بخير؟
لا تفكر هذه السيدة الغزية في تجهيز غرفة لطفلها القادم، ولا في اختيار ملابسه أو اسمه، كما تفعل معظم الأمهات حول العالم؛ فكل ما يشغل بالها هو العثور على مياه صالحة للشرب، ووجبة تسند بها جسدها المنهك، وطريق آمن يمكن أن تسلكه إذا باغتها المخاض في أي لحظة.
وفي قطاع غزة، لم يعد الحمل رحلة انتظار يملؤها الأمل والترقب، بل تحول إلى اختبار يومي قاسٍ للصبر والخوف والبقاء. فبين القصف المتواصل، والنزوح المتكرر، والانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية، تخوض آلاف النساء الحوامل معركة صامتة من أجل حماية حياة تنمو في أرحامهن وسط واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا.
حمل بين الخوف والترقب
داخل خيمة نزوح مهترئة لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء، تجلس خلود صبري التي نزحت من شمال قطاع غزة وهي تضع يدها على بطنها المنتفخ، محاولة إخفاء قلقها المتزايد مع اقتراب موعد الولادة.
تقول: "أنا في شهري الثامن، وأفكر طوال الوقت بما سأفعله إذا جاء المخاض ليلًا أو أثناء القصف، المستشفى بعيد، ولا توجد وسيلة نقل مضمونة... أحيانًا أخشى أن ألد في الطريق أو داخل الخيمة، حتى النوم أصبح مهمة صعبة بسبب الخوف المستمر".
وتضيف أن كل حركة تشعر بها من جنينها تتحول إلى لحظة قلق ودعاء، في ظل غياب أي شعور بالأمان أو الاستقرار.
أجساد منهكة وأجنة مهددة
لا تقف معاناة الحوامل عند حدود الخوف من الولادة، بل تمتد إلى معركة أخرى مع الجوع وسوء التغذية.
أريج، وهي حامل في أشهرها الأخيرة، تقول إنها لم تتمكن منذ أشهر من الحصول على غذاء متوازن أو مكملات غذائية أساسية.
وتوضح: "لا أجد الفيتامينات أو الحديد الذي وصفته الطبيبة. أعاني من دوخة وإرهاق دائمين، وأبلغتني الطبيبة بأن لدي فقر دم.. أكثر ما يؤلمني أن هذا النقص قد يؤثر على صحة طفلي ونموه، بينما لا أملك أي وسيلة لتعويضه".
وفي ظل تراجع الإمدادات الغذائية وارتفاع معدلات انعدام الأمن الغذائي، تواجه النساء الحوامل خطرًا مضاعفًا يتمثل في ضعف أجسادهن من جهة، وتأثر نمو الأجنة من جهة أخرى.
مستشفيات مثقلة بالأعباء
على بوابة مستشفى أصدقاء المريض، كانت إحدى الحوامل تنتظر دورها وهي تحاول كتم آلامهات، تقول بصوت متقطع: "كلما وصلت إلى المستشفى أجد الأقسام مكتظة بالمرضى، والأسرة محدودة، والطواقم الطبية تعمل تحت ضغط هائل. أخشى أن أصل يوم الولادة ولا أجد مكانًا أو مستلزمات طبية تساعدني على الإنجاب بأمان".
وتضيف أن الحصول على الأدوية والفحوصات الأساسية أصبح تحديًا يوميًا، في وقت تعاني فيه المرافق الصحية من نقص حاد في الإمكانيات والمعدات.
حياة كاملة داخل خيمة
أما نداء عبد، فتختصر معاناتها بكلمات مثقلة بالألم: "الخيمة لا توفر أي خصوصية للسيدات الحوامل، ولا يوجد ماء كافٍ للاستحمام أو غسل الملابس، وحتى ملابس الأطفال يصعب تنظيفها.. في الصيف نعاني من الحرارة الخانقة، وفي الشتاء من البرد والرطوبة".
وتتابع: "أنا الآن في شهري الأخير، وأشعر بإرهاق شديد.. جسمي متورم وقدماي منتفختان، بينما تتراجع فرص الحصول على الرعاية الصحية أو الغذاء المناسب يومًا بعد يوم".
ولا تقتصر معاناة نداء على الظروف المعيشية الصعبة، بل تحمل معها جراحًا نفسية عميقة بعد فقدان عدد من أفراد عائلتها خلال الحرب.
وتقول: "أعيش على أصوات الانفجارات بشكل يومي. أخاف أن يبدأ المخاض أثناء القصف، وأتساءل دائمًا كيف سيولد طفلي في كل هذه الفوضى. كل ما أتمناه أن أراه بخير".
حمل بلا متابعة طبية
أم سعيد بدورها تعيش حالة من القلق المستمر بسبب غياب المتابعة الطبية المنتظمة، وتقول: "منذ فترة طويلة لم أتمكن من إجراء فحص السونار أو التحاليل الدورية. لا أستطيع متابعة ضغط الدم أو السكر بشكل منتظم بسبب نقص الأجهزة والإمكانات".
وتضيف: "أشعر وكأنني أخوض رحلة الحمل معصوبة العينين، فلا أعرف إن كان طفلي ينمو بصورة طبيعية أم لا".
قلق الآباء وعجزهم
ولا تقتصر آثار الأزمة على النساء الحوامل وحدهن، بل تمتد إلى الأزواج الذين يجدون أنفسهم عاجزين عن توفير أبسط احتياجات أسرهم.
أبو خالد، زوج إحدى الحوامل، يقول: "أصعب ما أعيشه هو الشعور بالعجز، أرى زوجتي تزداد تعبًا يومًا بعد يوم، ولا أستطيع توفير الغذاء أو الدواء أو حتى مكان آمن لها".
ويضيف: "أخشى أن يبدأ المخاض فجأة ولا أجد وسيلة لنقلها إلى المستشفى. الناس عادة ينتظرون الولادة بالفرح، أما نحن فننتظرها بقلق وخوف لأننا لا نعرف ماذا سيحدث".
أرقام تكشف حجم الأزمة
ولا تواجه النساء الحوامل في قطاع غزة تحديات الحرب والنزوح فحسب، بل يواجهن أيضًا أزمة صحية متفاقمة تهدد حياتهن وحياة أطفالهن، وتشير تقديرات صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) إلى وجود نحو 50 ألف امرأة حامل في قطاع غزة، فيما يُتوقع أن تضع أكثر من 5 آلاف امرأة مواليدهن خلال الشهر المقبل وسط ظروف إنسانية وصحية بالغة الصعوبة.
ووفق بيانات أممية، تشهد غزة أكثر من 180 ولادة يوميًا، ويُتوقع أن تعاني نحو 15% من الحوامل من مضاعفات تستدعي رعاية طبية متخصصة أثناء الحمل أو الولادة، في وقت تعاني فيه المستشفيات من نقص حاد في الأدوية والمعدات والطواقم الطبية.
وتحذر تقارير أممية من ارتفاع معدلات الولادة المبكرة والإجهاض ووفاة الأجنة، نتيجة سوء التغذية والضغوط النفسية الحادة وانهيار خدمات الرعاية الصحية. وتشير تقديرات حديثة إلى أن نحو 40% من النساء الحوامل في بعض مناطق غزة يعانين من سوء تغذية حاد، بينما يولد طفل من كل خمسة أطفال بوزن منخفض أو قبل موعده الطبيعي.
كما أفادت تقارير حقوقية وصحية بأن الحرب أدت إلى تراجع أعداد المواليد بشكل ملحوظ، مع تسجيل ما يقارب 2600 حالة إجهاض خلال النصف الأول من عام 2025، إلى جانب ارتفاع حالات الولادة المبكرة ومضاعفات الحمل المرتبطة بالجوع والنزوح المستمر.
وفي ظل استمرار الأزمة، تؤكد المؤسسات الصحية أن آلاف النساء الحوامل يخضن رحلة الحمل في ظروف استثنائية، حيث باتت الولادة الآمنة واحدة من أكبر التحديات الإنسانية التي تواجه الأمهات في قطاع غزة.
معركة تبدأ قبل الولادة
في غزة، لم تعد الحرب تهدد حياة الأطفال بعد ولادتهم فحسب، بل أصبحت تهددهم قبل أن يبصروا النور، فالحمل الذي يفترض أن يكون بداية لحياة جديدة، تحول إلى رحلة شاقة تتداخل فيها المخاوف الأمنية مع الجوع والمرض وانهيار الخدمات الصحية.
وبين خيام تفتقد الحد الأدنى من مقومات الحياة، ومستشفيات تكافح للاستمرار وسط نقص حاد في الموارد، تواصل آلاف النساء الحوامل خوض معركة يومية للحفاظ على حياتهن وحياة أطفالهن.
إنها معركة لا تُخاض بالسلاح، بل بالصبر والأمل، في انتظار يوم تصبح فيه الولادة الآمنة حقًا مكفولًا لا حلمًا مؤجلًا.