قائمة الموقع

لا حقائب ولا ألعاب.. رحلة يومية بين الركام بحثًا عن قطعة خشب

2026-07-29T12:00:00+03:00
أطفال فلسطينيون يجمعون الحطب لاستخدامه في الطهي وسط نقص الوقود
شمس نيوز - غزة (نضال ابو شربي)

مع تفاقم المجاعة وانهيار سبل المعيشة في قطاع غزة، تضطر عائلات إلى بيع أسطوانات الغاز لشراء الطعام، فيما يحمل الأطفال الحطب بدل حقائب المدرسة لتأمين وسيلة طهي ما يتوفر من غذاء.

في ساعات الصباح الأولى، يتسلّق أحمد (11 عاما) كومة من الركام كانت يومًا منزلًا يضج بالحياة، ويحمل كيسًا مهترئًا وحبلًا بدل حقيبته المدرسية، ويبدأ رحلة البحث اليومية عن قطع خشب متناثرة بين الأنقاض.

لا يبحث الطفل الغزي عن لعبة أو مكان للهو كما كان يفعل قبل الحرب، بل عن فتات حطب يضمن لعائلته إعداد وجبة قد لا تتكرر خلال اليوم.

يقول أحمد لـ"شمس نيوز": "كل يوم أخرج مع إخوتي إلى البيوت المدمرة. نصعد فوق الركام ونفتش بين الحجارة عن أي قطعة خشب تصلح لإشعال النار.. أحيانًا نعود ومعنا كمية بسيطة، وأحيانًا نقضي ساعات طويلة دون أن نجد شيئًا".

ويضيف: "كنت أذهب إلى المدرسة وألعب مع أصدقائي، أما اليوم فأصبحت مهمتي توفير الحطب حتى تتمكن أمي من طهي الطعام".

معادلة قاسية

في قطاع غزة، لم يعد السؤال اليوم ماذا ستأكل الأسر، بل كيف ستطهو ما تتمكن من الحصول عليه من غذاء، فمع استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الإنسانية، تحولت أسطوانات الغاز من وسيلة أساسية للطهي إلى سلعة تباع لتوفير ثمن الدقيق أو المعلبات، بينما بات الحطب المستخرج من المنازل المدمرة المصدر الرئيسي للطاقة لدى آلاف العائلات.

وتقول والدة أحمد إن أسرتها لم تعد قادرة على شراء الغاز حتى عند توفره بسبب ارتفاع أسعاره بشكل كبير.

وتضيف: "لم يبق أمامنا سوى الحطب.. أطفالي يخرجون يوميًا لجمعه حتى نستطيع طهي أي شيء يتوفر لدينا.. أكثر ما يؤلمني أن أراهم يحملون الأخشاب فوق أكتافهم بدل حقائب المدرسة".

ويؤكد برنامج الأغذية العالمي أن قطاع غزة يواجه مستويات كارثية من انعدام الأمن الغذائي، بينما حذرت الأمم المتحدة مرارًا من تفاقم خطر المجاعة نتيجة النقص الحاد في الغذاء والوقود ووسائل الطهي، الأمر الذي يدفع العائلات إلى تبني استراتيجيات بقاء قاسية لتأمين احتياجاتها الأساسية.

بيع وسيلة الطهي

في أحد الأسواق الشعبية، يقف أبو محمد إلى جانب أسطوانة الغاز التي قرر بيعها بعد أشهر من التردد.

يقول: "كنت أملك أسطوانة غاز، لكنها لم تعد تنفعني أمام الجوع.. سألت نفسي: هل أحتفظ بها بينما أطفالي لا يجدون ما يأكلونه؟ أم أبيعها لأشتري دقيقًا وبعض المعلبات؟".

ويتابع: "اخترت أن أطعم أطفالي.. اليوم إذا توفر الطعام لا نجد وسيلة لطهيه إلا بالحطب.. هذه ليست حياة، لكنها الخيارات التي فرضتها علينا الحرب".

ويشير مواطنون إلى أن مشهد بيع أسطوانات الغاز أصبح مألوفًا في عدد من مناطق القطاع، حيث تضطر أسر كثيرة للتخلي عن ممتلكاتها الأساسية مقابل تأمين الغذاء.

ويقول أحد السكان: "الناس لا تبيع الغاز لأنها استغنت عنه، بل لأنها تحاول البقاء.. يبيعون وسيلة الطهي ليشتروا الطعام، ثم يعودون للبحث عن الحطب أو الكرتون لإشعال النار".

طفولة على حافة الخطر

في زاوية أخرى بين الأنقاض، يرفض أمجد (12 عاما) الظهور أمام الكاميرا، ويقول بصوت خافت: "أمانة لا تصورني.. أبي استشهد وأمي مريضة، وأنا المسؤول عن البيت.. نحن خمسة أفراد، وإذا لم أخرج لجمع الحطب أو بيعه فلن نجد ما نأكله".

ويضيف: "أحيانًا نبيع أسطوانة الغاز لنشتري الطعام، وبعدها نعود للبحث عن الحطب حتى نتمكن من طهيه".

وتحذر مؤسسات حقوقية فلسطينية ومنظمات أممية من المخاطر التي يتعرض لها الأطفال أثناء البحث عن الحطب داخل المباني المدمرة، حيث يواجهون خطر الانهيارات والإصابات ومخلفات الحرب، إلى جانب الأعباء النفسية والاجتماعية الناتجة عن اضطرارهم لتحمل مسؤوليات تفوق أعمارهم.

كما تشير بيانات محلية إلى أن آلاف الأطفال في غزة انقطعوا عن التعليم النظامي منذ اندلاع الحرب، فيما دفعت الظروف الاقتصادية والإنسانية المتدهورة كثيرين منهم إلى الانخراط في أعمال شاقة للمساعدة في إعالة أسرهم.

التوأم يحملان عبء الأسرة

لم يكن التوأم هاني وشادي يتخيلان أن يتحولا إلى معيلين لأسرتيهما في هذا العمر المبكر.

يقول هاني: "فقدنا إخوتنا خلال الحرب، وبقيت مسؤولية البيت علينا.. كل صباح نجمع الخشب، ثم نبيع نصفه لشراء الطعام، ونحتفظ بالنصف الآخر لطهي ما اشتريناه".

ويضيف: "وعدنا والدتنا أن نتحمل مسؤولية البيت كاملة حتى لا تضطر هي أو أخواتي للخروج والعمل".

أما شادي فيقول: "لم نعد نفكر بأنفسنا، بل نفكر فقط في احتياجات البيت. إذا عدنا ومعنا بعض المال أو كمية من الحطب نشعر أننا أنجزنا شيئًا لعائلتنا".

استنزاف وسائل البقاء

ويرى مختصون في الشأن الإنساني أن لجوء الأسر إلى بيع أسطوانات الغاز وغيرها من الممتلكات الأساسية يمثل مؤشرًا خطيرًا على تفاقم أزمة الأمن الغذائي في القطاع.

ويؤكدون أن العائلات لم تعد تكتفي بتقليص عدد الوجبات أو تقليل كمياتها، بل بدأت تستنزف أصولها ومقتنياتها الضرورية من أجل تأمين الغذاء، في ظل استمرار الأزمة الإنسانية وتراجع مصادر الدخل وانهيار سبل العيش.

وتشير تقديرات أممية إلى أن غالبية سكان قطاع غزة باتوا يعتمدون بدرجات متفاوتة على المساعدات الإنسانية للبقاء، في وقت تتواصل فيه التحذيرات الدولية من اتساع رقعة الجوع وسوء التغذية، خاصة بين الأطفال.

نار للبقاء

في غزة، لم تعد النار المشتعلة تحت أواني الطعام مجرد وسيلة للطهي، بل أصبحت عنوانًا لمعركة يومية يخوضها السكان من أجل البقاء.

أطفال يحملون الحطب بدل الدفاتر، وآباء يبيعون أسطوانات الغاز ليشتروا ما يسد رمق أسرهم، ثم يعودون إلى الحطب لطهيه.

إنها حكاية مدينة أنهكتها الحرب، حيث تحولت أبسط مقومات الحياة إلى أحلام بعيدة، وأصبحت قطعة الخشب التي تشتعل تحت قدر الطعام رمزًا لمحاولة جديدة لتأجيل الجوع يوما آخر.

 

اخبار ذات صلة