تحمل بنود الاتفاق المُتعلِّق بملفّ سلاح المقاومة في قطاع غزة، وترتيبات المرحلة المقبلة في القطاع، إيجابيات لا يمكن تجاهلها، لكنها تواجه سيلاً عارماً من التشكيك، خصوصاً أن إسرائيل، التي يُفترض أن تكون طرفاً فيها، ليست موقِّعةً عليها. ويبدو أن تل أبيب أُعفيت من التوقيع العلني على وثيقة تفرض عليها التزامات، تدرك هي مُسبقاً أنها غير قادرة أو غير راغبة في الوفاء بها. ومن هنا، تَبرز التساؤلات حول ما سيؤول إليه هذا الاتفاق، الذي يبدو طريق تطبيقه مليئاً بالمخاطر والعقبات ومحطّات التصعيد المحتملة، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستستخدم أوراق ضغطها في اتجاه إنجاحه، في وقت تُواصل فيه إسرائيل البحث عن أي مبرّر للتنصّل من استحقاق الانسحاب من غزة، وتتعامل مع الوضع الحالي على أنه يمنحها أفضلية للبقاء والسيطرة على الجغرافيا.
بالنسبة إلى إسرائيل، تكمن المشكلة الحالية في أن الاستحقاقات الانتخابية الداخلية لا تسمح للحكومة بإعلان التزامات سياسية جوهرية قد تُفسَّر على أنها تنازلات، في حين تبدو مضطرّة إلى مسايرة الضغط الأميركي، الذي تمثّل آخر وجوهه في حديث مسؤول أميركي رفيع المستوى عن أن «الرئيس دونالد ترامب سيشعر بخيبة أمل كبيرة إذا لم تلتزم تل أبيب بالاتفاق». ويتمحور الخلاف بين إسرائيل من جهة، والولايات المتحدة والوسطاء من جهة أخرى، حول مصير السلاح بعد تسليم الفصائل إيّاه؛ فبينما تَقبل واشنطن والقاهرة والدوحة بالصيغة التي تسمح بتخزينه في مستودعات خاصة تحت إشراف قوة دولية متعدّدة الجنسيات، ترفض تل أبيب ذلك النموذج المُستوحى من اتفاقيات السلام في أيرلندا الشمالية، وتصرّ على إخراج جميع وسائل القتال من القطاع بالكامل. لا بل إن الخطاب الصادر عن المؤسسة السياسية واليمين المتطرّف، يربط أيّ استحقاقات مستقبلية بتفكيك حركة «حماس» كلّياً بوصفها كياناً سياسياً وعسكرياً؛ وبالتالي فهو سيعدّ الاتفاق التفافاً على هدف الحرب الأساسي المتمثّل في القضاء على الحركة.
وكان كشف مسؤول في «مجلس السلام» أن الاتفاق ينصّ على أن عملية نزع السلاح ستستغرق ما بين 200 و350 يوماً، وستتمّ على مراحل تبدأ بتسليم الشرطة الزرقاء التابعة لـ«حماس» سلاحها إلى الشرطة الفلسطينية الجديدة التي ستعمل تحت إمرة حكومة التكنوقراط، ثمّ الانتقال إلى السلاح الثقيل الذي سيتمّ تخزينه بشكل آمن، توازياً مع تفكيك الأنفاق ومصانع السلاح، وأخيراً جمع السلاح الخفيف، وفق القانون الفلسطيني. ويبدو أن موافقة «حماس» وبقية الفصائل على تلك المُسوَّدة، تعود إلى رغبتها في إبداء مرونة تكتيكية يمكن أن تفضي إلى وقف العدوان، وإن مع ربط ملفّ السلاح بمسار سياسي شامل. وفي هذا الإطار، رهنت الفصائل بدء عملية الحصر والتخزين باستكمال الالتزامات الإسرائيلية، ودخول «اللجنة الوطنية» إلى غزة، وانتشار «قوة الاستقرار الدولية» في القطاع. كما أكّد المفاوضون الفلسطينيون أنه لن يتمّ اتّخاذ أيّ خطوة تتعلّق بالسلاح قبل انسحاب قوات الاحتلال، مع التشديد على عدم تسليم أيّ عتاد لإسرائيل، أو لأيّ أطراف غير فلسطينية.
وسبق أن تحدّثت التسريبات الإعلامية الإسرائيلية عن أن قيادة «حماس» وجّهت رسالة إلى البيت الأبيض، تَطلب فيها «هدنة» طويلة الأمد تُراوِح بين 10 و20 سنة، تلتزم خلالها إسرائيل بعدم شنّ هجمات على القطاع أو اغتيال القيادات، وتبدأ بسحب قواتها تدريجياً، في مقابل التزام الحركة بتسليم سلاحها. ومن أجل ضمان نجاح عملية الانتقال الإداري، اقتُرح أن تدفع الدول العربية ملايين الدولارات كمكافآت تقاعد لموظفي «حماس» الذين سيُستبدلون باللجنة التكنوقراطية الجديدة، وهو ما يعادل آلية عملية لتفكيك البنية الإدارية للحركة، من دون إثارة مقاومة داخلية. لكن هذه المسائل المالية والإدارية، بما تشتمل عليه من تدقيق في أوضاع الموظفين في القطاع، ومعالجة للالتزامات تجاه المورّدين، تبقى ملفات شائكة تتطلّب سنوات من العمل التدريجي. كما أن الحديث الإسرائيلي المتصاعد حول تشجيع الهجرة الطوعية، والاستيطان في غزة، يعكس نيات مُبيّتة تتناقض مع روح الاتفاق. ويضاف إلى ما تَقدّم، اعتقاد ضباط كبار في جيش الاحتلال، وفقاً للمعلومات المنشورة في الإعلام العبري، بأن الصيغة المطروحة لا تضمن تفكيك «حماس» بالكامل، وأنها تترك مجالاً للحركة لإعادة بناء نفسها مستقبلاً.