قائمة الموقع

تفوقوا في الثانوية... لكن الرسوم الجامعية تهدد مستقبلهم في غزة

2026-08-03T18:16:00+03:00
طلبة فلسطينيين
شمس نيوز - نضال أبو شربي

رغم الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب في قطاع غزة، تمكن آلاف الطلبة من تحقيق نتائج مرتفعة في الثانوية العامة، إلا أن فرحة النجاح لم تكتمل بالنسبة لكثير منهم، بعدما اصطدمت أحلامهم الجامعية بالواقع الاقتصادي الصعب، في ظل فقدان آلاف الأسر مصادر دخلها وعدم قدرتها على تغطية الرسوم الجامعية.

ويرى طلبة وأكاديميون وخبراء اقتصاديون أن الأزمة الحالية قد تحرم عددًا كبيرًا من المتفوقين من مواصلة تعليمهم الجامعي، الأمر الذي يهدد بخسارة طاقات بشرية يحتاجها المجتمع خلال مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.

تفوق رغم الحرب

يقول محمد، وهو أحد الطلبة الحاصلين على معدل 92% في الثانوية العامة: "إن النجاح جاء بعد عام مليء بالنزوح والخوف وانقطاع الدراسة، معربًا عن سعادته بتحقيق حلمه في التفوق رغم الظروف التي عاشها مع أسرته.

وأضاف محمد لمراسل "شمس نيوز": "أخطط لدراسة الهندسة، إلا أن الواقع المادي لعائلتي يقف حائلًا أمام تحقيق هدفي، موضحًا أن والده فقد مصدر رزقه ودُمر منزل الأسرة، ولم يعد لديهم أي دخل يمكنهم من تغطية تكاليف الدراسة الجامعية.

أما الطالبة ملك، الحاصلة على معدل 98%، فتؤكد أن التهاني التي تلقتها بعد إعلان النتائج لم تخفِ قلقها بشأن المرحلة المقبلة، مشيرة إلى أنها لا تعرف كيف ستتمكن من الالتحاق بالجامعة في ظل عجز أسرتها عن توفير حتى رسوم التسجيل الأولية.

وقالت ملك لمراسل "شمس نيوز"، "إنها تطمح إلى دراسة الطب، لكنها تخشى أن تؤدي الظروف الاقتصادية التي تعيشها الأسرة إلى حرمانها من مواصلة تعليمها".

ويشاركها القلق الطالب وليد، الحاصل على معدل 89%، موضحًا أن أسرته تواجه صعوبة في توفير الاحتياجات الأساسية، الأمر الذي يجعل دفع الرسوم الجامعية خارج إمكاناتها في الوقت الحالي.

وقال "إن النجاح كان بداية لحلم جديد، لكنه يخشى أن يتحول إلى نهاية مبكرة لهذا الحلم إذا لم يحصل على دعم يساعده على استكمال دراسته".

وتؤكد إحدى الطالبات المتفوقات أن عشرات الطلبة يعيشون الظروف نفسها، موضحة أن الحرب لم تدمر المنازل فقط، بل أضعفت قدرة العائلات على تعليم أبنائها بعد فقدان مصادر الدخل وارتفاع مستويات الفقر، الأمر الذي جعل التعليم الجامعي بعيد المنال بالنسبة لكثير من الأسر.

ووجهت رسالة إلى الجامعات والمؤسسات المانحة، دعت فيها إلى توفير منح ومساعدات تمكن الطلبة المتفوقين من مواصلة تعليمهم، مؤكدة أن ما يحتاجونه هو فرصة لاستكمال مسيرتهم الأكاديمية بعد اجتيازهم ظروفًا استثنائية.

تحديات تهدد استكمال التعليم

ويقول الباحث في الإدارة والقيادة التعليمية أبو إبراهيم "إن نتائج الثانوية العامة لهذا العام تمثل إنجازًا استثنائيًا، في ظل ما تعرض له الطلبة من نزوح وانقطاع متكرر للتعليم وفقدان الاستقرار، مؤكدًا أن قدرة عدد كبير منهم على تحقيق معدلات مرتفعة تعكس تمسكهم بالتعليم رغم الظروف.

وأضاف أن كثيرًا من الطلبة يمتلكون المؤهلات اللازمة للالتحاق بالتخصصات التي يرغبون فيها، إلا أن تراجع دخل الأسر وارتفاع تكاليف الدراسة يجعلان الالتحاق بالجامعات تحديًا حقيقيًا.

وأشار إلى أن بعض الطلبة قد يضطرون إلى العمل بالتزامن مع الدراسة لتوفير احتياجاتهم الأساسية، وهو ما يزيد الأعباء عليهم ويؤثر في مستواهم الأكاديمي واستقرارهم الدراسي.

وأوضح أن عدم قدرة الطالب على استكمال تعليمه بعد تحقيق النجاح قد يؤدي إلى شعوره بالإحباط وفقدان الدافعية، خاصة لدى المتفوقين الذين بذلوا جهودًا كبيرة للوصول إلى هذه المرحلة.

وأكد أن خسارة المجتمع لا تقتصر على الطالب نفسه، وإنما تمتد إلى خسارة كوادر مستقبلية في مختلف التخصصات، داعيًا إلى التعامل مع دعم التعليم باعتباره استثمارًا في رأس المال البشري.

وشدد على ضرورة التحرك العاجل لتوفير منح دراسية، وتقديم إعفاءات أو تخفيضات على الرسوم الجامعية، وإنشاء صناديق دعم للطلبة المحتاجين، إلى جانب تعزيز التعاون بين الجامعات والمؤسسات الحكومية والدولية والقطاع الخاص، إضافة إلى توفير فرص عمل جزئية لا تؤثر في المسار الأكاديمي للطلبة.

تداعيات اقتصادية واسعة

من جانبه، قال الباحث والمختص في الشأن الاقتصادي الدكتور رائد حلس إن استمرار الحرب أدى إلى تدهور غير مسبوق في الأوضاع الاقتصادية بقطاع غزة، وهو ما انعكس مباشرة على قدرة الأسر على تمويل التعليم الجامعي.

وأوضح أن التقديرات تشير إلى انكماش الناتج المحلي بأكثر من 85% وارتفاع معدلات الفقر إلى أكثر من 80%، الأمر الذي يهدد بحرمان آلاف خريجي الثانوية العامة من الالتحاق بالتعليم العالي، ويؤثر في تكوين رأس المال البشري اللازم لمرحلة التعافي وإعادة الإعمار.

وأضاف أن حرمان الطلبة من مواصلة تعليمهم لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى آثار نفسية واجتماعية، في ظل ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب بين الشباب نتيجة الحرب، وهو ما ينعكس على مستوى الأمل بالمستقبل والاستقرار النفسي.

وأشار إلى أن توقف المسار التعليمي يسهم كذلك في زيادة معدلات البطالة والتسرب من التعليم والهجرة، في وقت تسجل فيه البطالة مستويات مرتفعة في قطاع غزة، خاصة بين فئة الشباب.

وأكد أن مسؤولية معالجة هذه الأزمة تقع على عاتق مختلف الجهات، داعيًا الجامعات إلى توسيع برامج الإعفاءات وتقديم نماذج تعليم منخفضة التكلفة، كما طالب المؤسسات المانحة بزيادة التمويل المخصص للمنح الطارئة، والحكومة بإدراج التعليم ضمن برامج الحماية الاجتماعية لضمان استمرار الطلبة في التعليم.

ورأى أن من بين الحلول العاجلة إطلاق برامج منح طارئة للطلبة الأكثر احتياجًا، وتقديم مساعدات نقدية مرتبطة بالاستمرار في التعليم، إلى جانب توسيع برامج التعليم الرقمي منخفض التكلفة، ودعم برامج التعليم المهني التي تتيح للطلبة فرصًا لتحسين دخلهم دون التخلي عن الدراسة.

مستقبل معلق

ورغم نجاح عدد كبير من طلبة الثانوية العامة في تجاوز ظروف الحرب والانقطاع عن التعليم وتحقيق نتائج متقدمة، فإن الأزمة الاقتصادية أصبحت التحدي الأكبر أمام استكمال تعليمهم الجامعي.

ويخشى كثير من الطلبة أن تتحول معدلاتهم المرتفعة إلى إنجاز غير مكتمل، إذا استمرت أوضاع أسرهم الاقتصادية على حالها، في ظل غياب القدرة على تحمل الرسوم الجامعية، الأمر الذي يجعل توفير الدعم والمنح الدراسية أحد أبرز التحديات التي تواجه قطاع التعليم في غزة خلال المرحلة المقبلة.

اخبار ذات صلة