قائمة الموقع

مدينة "جمب ستي".. مساحة فرح تنتزع أطفال غزة من أجواء الحرب

2026-08-08T12:28:00+03:00
مدينة جمب ستي للألعاب
شمس نيوز - نضال أبو شربي

بينما تتنقل أصوات الأطفال بين الألعاب، تبدو ضحكاتهم في "جمب ستي" بمدينة غزة استثناءً جميلاً في مكان اعتاد على أصوات القصف والخوف، هنا، يجد أطفال غزة مساحة صغيرة للعب والفرح، بعدما اختفت من حولهم معظم الحدائق ومدن الألعاب تحت الركام.

خيمة بسيطة وألعاب محدودة، لكنها بالنسبة للأطفال أكثر من مجرد مساحة للترفيه؛ إنها فرصة للابتعاد، ولو لساعات، عن واقع الحرب والنزوح، واستعادة شيء من طفولة حُرموا منها.

يقول مدير "جمب ستي"، أبو خليل شاهين: "إن فكرة إنشاء المكان بدأت من أطفاله أنفسهم، بعدما كانوا يسألونه باستمرار عن مكان يمكنهم الذهاب إليه للعب ونسيان أجواء الحرب لبعض الوقت".

ويضيف: "خلال سنوات الحرب، كان أطفالي دائماً يقولون لي: يا بابا، دلّنا على مكان نطلع عليه وننبسط وننسى شوي، لكن للأسف ما ظل في منتزهات ولا مدن ألعاب، وحتى البحر أصبح الوصول إليه محفوفاً بالخوف.

من هنا بدأت الفكرة؛ قلت لنفسي: لماذا لا أحاول أن أصنع لهم مكاناً صغيراً يرفع عنهم؟».

لم تكن إقامة المشروع أمراً سهلاً في ظل نقص المواد وارتفاع الأسعار وصعوبة توفير أبسط المستلزمات.

ويقول شاهين: "الإمكانيات كانت محدودة جداً، وكل شيء غالٍ وغير متوفر، حتى المواد التي نحتاجها لبناء المكان لم تكن موجودة، لذلك اضطررت إلى ابتكار البدائل، وصنعت المكان بما هو متاح، وبدأت من الصفر تقريباً أوجدنا هذا المشروع من العدم، وكان فضل الله كبيراً علينا».

ومع مرور الوقت، لم تعد «جمب ستي» مساحة لأطفال صاحبها فقط، بل أصبحت وجهة تقصدها عائلات من مناطق مختلفة في قطاع غزة بحثاً عن لحظة فرح وسط واقع مثقل بالحرب.

ويقول شاهين: "اليوم يأتينا الناس من خانيونس ودير البلح والمغازي ومناطق مختلفة في غزة، والحمد لله أصبح المكان معروفاً لدى العائلات. نحاول أن تكون الأسعار رمزية حتى لا نزيد العبء على الناس، خصوصاً أن العائلة التي تأتي من منطقة بعيدة تدفع أصلاً تكاليف المواصلات. التذكرة تبدأ من خمسة شواكل، ونحاول أن تكون الأسعار مناسبة للجميع، وحتى من لا يستطيع الدفع نحاول مساعدته».

بالنسبة للأطفال، لا تقاس قيمة المكان بعدد ألعابه أو حجم خيمته، بل بما يمنحه لهم من فرصة للضحك واللعب بعيداً عن الخوف.

ومن بين العائلات التي قصدت «جمب ستي»، جاء أبو الجود بأطفاله بحثاً عن مساحة تساعدهم على نسيان ما عاشوه خلال الحرب، ولو لفترة قصيرة.

ويقول: «جبنا أولادنا إلى هنا لأنهم عاشوا ظروف الحرب والخوف. أردنا أن نرفع عنهم ونخليهم ينسوا المأساة ولو لفترة قصيرة. الطفل دخل المكان وبدأ يلعب وينبسط، وكأنه نسي كل شيء حوله».

ويضيف: «أغلب الأماكن التي كنا نذهب إليها تدمرت. أين نأخذ أطفالنا؟ حتى البحر أصبحنا نخاف أن نذهب إليه بسبب الاستهدافات، وأحياناً نخاف أن نمشي في الشارع. هذا المكان قريب من البيت وآمن بالنسبة لنا، والأهم أنه أعطى أطفالنا فرصة يعيشوا لحظة طبيعية».

أما خالد، فيرى أن التجربة منحت الأطفال مساحة يحتاجون إليها بشدة، ويقول إن أطفاله «انبسطوا كثيراً ولعبوا في كل الألعاب»، مشيراً إلى أن الأسعار رمزية ومناسبة للجميع.

ويضيف: «رسالتنا للعالم: أوقفوا الحرب، خلّوا أطفالنا يعيشوا طفولتهم. هم يستحقون أن يفرحوا ويكبروا مثل باقي أطفال العالم».

وبين الألعاب، لا يبحث الطفل محمد عن شيء معقد؛ كل ما يريده هو مكان يستطيع فيه اللعب.

يقول: «أنا باجي هون عشان ألعب وأفرح، لأنه ما في ألعاب في غزة. كل شيء تدمر وصار ركام، عشان هيك بنيجي هون ننبسط ونلعب».

أما الطفلة سارة، فتختصر سنوات الحرب في كلمات قليلة قبل أن تعود إلى عالم اللعب، قائلة: «بعد ما الاحتلال دمر كل شيء بحياتنا، دمر الطفولة والمدارس وكل شيء حلو فينا. لجأنا لهذا المكان عشان نلعب وننبسط، حتى لو بشيء قليل. أتمنى ترجع أيام زمان قبل فوات الأوان».

في «جمب ستي»، لا يستطيع الأطفال تغيير واقع غزة، ولا إزالة الركام من حولهم، ولا إعادة بناء مدارسهم ومدن الألعاب التي دمرتها الحرب. لكنهم يستطيعون، ولو لفترة قصيرة، أن يتركوا الخوف جانباً ويضحكوا ويلعبوا.

بدأت «جمب ستي» بفكرة بسيطة من أب أراد أن يرى أطفاله سعداء، ثم تحولت إلى مساحة تستقبل أطفالاً من مناطق مختلفة، يبحثون فيها عن جزء من طفولة فقدوها وسط الحرب.

قد تبدو «جمب ستي» مجرد خيمة وألعاب بسيطة، لكنها بالنسبة لأطفال غزة تعني أكثر من ذلك بكثير؛ إنها مساحة آمنة للضحك واللعب، ورسالة تقول إنهم، رغم كل ما فقدوه، ما زالوا يريدون أن يعيشوا طفولتهم.

اخبار ذات صلة