قائمة الموقع

الإسلام المستنير ومشروع الاستئناف الحضاري.. نحو وحدة الأمة على قاعدة العدل والشورى والرحمة 

2026-08-08T12:35:00+03:00
فارس فحماوي
بقلم: فارس رفيق فحماوي | باحث في الفكر السياسي الإسلامي المقارن

الإسلام المستنير ومشروع الاستئناف الحضاري.. نحو وحدة الأمة على قاعدة العدل والشورى والرحمة 

بقلم: فارس رفيق فحماوي

باحث في الفكر السياسي الإسلامي المقارن

يأتي النقاش الدائر حول أزمة الأيديولوجيات الكبرى في لحظة مفصلية من تاريخ البشرية، فبعد قرن من الصراع بين الرأسمالية الإمبريالية بمنطقها الاستغلالي، والفكر الاشتراكي العلمي بتجلياته السلطوية، تقف الإنسانية اليوم أمام فراغ فكري وقيمي.

والمقال الذي نحن بصدده جوهر الأزمة حين شخص تراجع هذين المشروعين وعجزهما عن تقديم إجابة شاملة لسؤال: كيف نحيا بكرامة وعدل وعلم؟

أولاً: أزمة النماذج الوضعية وضرورة البديل

لقد أثبتت التجربة أن الرأسمالية المتوحشة عجزت عن تحقيق العدالة الاجتماعية، وحوّلت الإنسان إلى رقم في معادلة الربح.

كما أثبتت التجربة الاشتراكية أنها سقطت في فخ الاستبداد ومصادرة الحريات باسم المساواة.

وبين هذين النموذجين ضاع الإنسان.

وهنا تبرز الحاجة إلى مشروع حضاري ثالث، ينطلق من خصوصية الأمة، ويخاطب معضلات العصر بلغة العصر.

ثانياً: الإسلام المستنير كمشروع استئناف نهضوي

إن البديل لا يمكن أن يكون استيراداً جديداً، بل استئنافاً ذاتياً من داخل منظومة قيمنا.

وهذا البديل هو الإسلام المستنير: مشروع حضاري يجمع بين ثبات الأصول ومرونة الاجتهاد، وبين الوحي والعقل، وبين المادة والروح.

ولكن، وقبل أي طرح، لا بد من حركة وعي*حاسمة لتصحيح المفاهيم:

الإسلام الذي نريد ليس التطرف المنفلت الذي يختزل الدين في العنف والكراهية وإلغاء الآخر.

وليس هو أيضاً إسلام الشعارات المنفصل عن الواقع.

الإسلام الذي نريد هو:

1.  إسلام العدل: ميزان لا يميل مع السلطة ولا مع المال. "كونوا قوامين بالقسط شهداء لله".

2.  إسلام المساواة: في الكرامة الإنسانية والحقوق والواجبات. لا تفاضل إلا بالعمل والإحسان.

3.  إسلام الرحمة: رحمة تشمل الإنسان والحيوان والبيئة. دين يدفع بالتي هي أحسن ويرفض الإكراه.

4.  إسلام الشورى: حكم رشيد مؤسسي قائم على التداول السلمي للسلطة، والشفافية، والمساءلة، وإعمال العقل الجمعي.

هذا الإسلام قادر على تجاوز الثنائية الكاذبة بين "سوق بلا دولة" و "دولة بلا إنسان". فهو يعترف بالملكية الفردية والإبداع في إطار المصلحة العامة، ويعترف بوظيفة الدولة في تحقيق التكافل دون أن تصادر حرية الفرد.

ثالثاً: الإسلام المستنير في مواجهة المشروع الاستعماري

ولا يمكن الحديث عن مشروع استئناف حضاري بمعزل عن التحدي المركزي الذي تواجهه الأمة: الكيان الصهيوني المسمى "إسرائيل".

إن الفكر الإسلامي المستنير يدرك أن هذا الكيان ليس كياناً طبيعياً، بل هو الكيان الوظيفي للاستعمار والطامع الخارجي وأداته في قلب المنطقة العربية.

وجوده قائم على منطق الاقتلاع والاستيطان والهيمنة، ومشروعه متعارض وجودياً مع مشروع نهضة الأمة ووحدتها.

لذلك فإن مقاومة هذا الكيان جزء أصيل من المشروع النهضوي. مقاومة فكرية وسياسية واقتصادية وثقافية، تقوم على فضح وظيفته الاستعمارية، وعلى بناء الذات القادرة على المواجهة والصمود.

فلا نهضة مع احتلال، ولا وحدة مع تقسيم، ولا سيادة مع تبعية.

رابعاً: شرط النهضة.. وحدة الأمة

إن أي مشروع نهضوي محكوم عليه بالفشل إذا لم يقم على وحدة الأمة.

وحدة لا تعني التطابق، بل تعني "ميثاقاً جامعاً" يتجاوز الانقسامات المذهبية والقطْرية والسياسية.

وحدة في التعليم، في السوق، في البحث العلمي، وفي الموقف من قضايا الأمة المصيرية وعلى رأسها قضية فلسطين.

فوحدة الأمة اليوم هي الشرط الموضوعي للانتقال من حالة الردة الحضارية إلى حالة الفعل وصناعة التاريخ، ومن حالة الدفاع إلى حالة المشروع.

إن المستقبل لا يصنعه الارتهان للشرق ولا للغرب.

المستقبل تصنعه أمم تعرف من هي، وماذا تريد.

وأمتنا تملك في رصيدها الحضاري مشروعاً متجدداً قادراً على النهوض: الإسلام المستنير.

إسلام يخاطب الإنسان في القرن الواحد والعشرين بلغة العلم والعدل والرحمة والشورى، ويقاوم مشاريع الهيمنة، ويستعيد دوره الحضاري.

فهل نمتلك الإرادة لنبدأ؟

اخبار ذات صلة