تركض مجموعة من الأطفال خلف كرةٍ تتنقل بين العكازات والأقدام المتبقية. يثبت أحدهم قدمه السليمة على الأرض، ويتكئ على عكازه، ثم يسدد الكرة بقوة نحو المرمى.
يتعثر آخر ويسقط، لكنه ينهض سريعًا ويعود إلى ملاحقتها وكأن شيئًا لم يحدث، في هذا الملعب الصغير بمدينة غزة، لا تبدو كرة القدم مجرد لعبة، بل معركة يومية يخوضها أطفال بُترت أطرافهم، بينما بقيت أحلامهم كاملة.
هؤلاء الأطفال فقدوا أجزاءً من أجسادهم، وخسروا ملاعبهم وبيوتهم وأصدقاءهم، وانتُزع جانب كبير من طفولتهم تحت وطأة الحرب؛ لكنهم، في كل تدريب، يحاولون استعادة ما يمكن استعادته.
ورغم ضيق المساحة، وقلة الإمكانات، وثلاث كرات فقط يتقاسمها عشرات اللاعبين، فإنهم يواصلون الركض خلف الكرة، وكأنهم يعلنون للعالم أن الحرب قد تغيّر الجسد، لكنها لا تستطيع أن تنتزع منهم الرغبة في الحياة.
على مقربة من المستطيل الأخضر تتابع الكابتن شيماء فلفل تدريب الأطفال المبتورين، وتحاول تقديم الدعم الكامل لهم، تقول لمراسلنا: "إن هذه التدريبات جاءت استجابة لحاجة ملحة لدى فئة مهمشة من الأطفال والفتيات في قطاع غزة، مؤكدة أن الفريق يمثل تجربة هي الأولى من نوعها على مستوى فلسطين.
وتوضح أن التدريبات تستهدف الفتيات المبتورات من سن الخامسة فما فوق، بهدف تنمية قدراتهن البدنية والنفسية، وتعزيز ثقتهن بأنفسهن، إلى جانب تعليمهن استخدام العكازات والتحكم بالكرة وممارسة اللعبة.
وتضيف: "بدأنا هذه التدريبات لأن أعداد الأطفال والفتيات الذين تعرضوا للبتر ارتفعت بشكل كبير، بينما تفتقر هذه الفئة إلى البرامج الرياضية والملاعب المخصصة. أردنا أن نتيح لهم فرصة لممارسة الرياضة واستعادة الثقة بأنفسهم، وأن يشعروا بأنهم قادرون على تحقيق ما يحققه الآخرون".
ولا يقتصر الهدف على التدريب فحسب، بل يمتد إلى تأسيس فريق نسائي قادر على الاستمرار والمشاركة في البطولات مستقبلًا، وربما تمثيل فلسطين في المحافل الدولية.
غير أن الطريق مليء بالتحديات، إذ لا يمتلك الفريق ملعبًا ثابتًا، ويضطر إلى استئجار مكان التدريب لساعات محدودة، إضافة إلى نقص واضح في التجهيزات الرياضية.
وتقول فلفل: "أبرز الصعوبات تتمثل في غياب ملعب دائم ومجهز، فالمكان الذي نتدرب فيه مستأجر بالساعات ولا يلبي احتياجات الفريق، لدينا نحو 18 فتاة، إضافة إلى قرابة 20 لاعبًا من الفتيان، وجميعهم يتدربون باستخدام ثلاث كرات فقط".
فقدت قدمها وهي تجمع الحطب
نور الأشقر، طفلة تبلغ من العمر 14 عامًا من بيت لاهيا، لم تكن تتوقع أن رحلة قصيرة لجمع الحطب ستقلب حياتها رأسًا على عقب.
في 30 سبتمبر/أيلول 2024، خرجت برفقة والدها لجمع الحطب، قبل أن يتعرضا لإصابة أدت إلى بتر قدمها اليمنى، فيما فقد والدها إحدى قدميه في الحادث نفسه.
واليوم، تقف نور في الملعب مستندة إلى عكازها، وتحاول استعادة جزء من حياتها التي تبدلت.
وتقول: "جئت اليوم لألعب مع الأطفال وأفرغ ما بداخلي، عندما أكون هنا أشعر بالسعادة، وأبتعد قليلًا عن الضغط والذكريات الصعبة".
وتضيف: "صحيح أنني فقدت قدمي، لكننا بدأنا نبني حياة جديدة. كنا نمارس كل الألعاب قبل الإصابة، واليوم نحاول العودة إليها، تحطمت أحلام كثيرة، لكننا سنبنيها من جديد".
بالنسبة لنور، لم تعد كرة القدم مجرد لعبة، بل مساحة تستعيد فيها طفولتها، ورسالة تؤكد أن البتر غيّر جسدها، لكنه لم ينتزع منها القدرة على الحلم.
عمر يريد أن يركض مثل أطفال العالم
أما عمر حلاوة، البالغ من العمر 14 عامًا، فقد ساقه بعدما خرج لجلب المياه لعائلته في ظل أزمة المياه التي فرضتها الحرب.
كان يبحث عن الماء، لكن القذائف حوّلت رحلته إلى مأساة؛ إذ استشهد اثنان من أبناء عمه، بينما أصيب هو بإصابة انتهت ببتر ساقه.
ورغم ذلك، يرفض عمر أن تكون الإصابة نهاية قصته.
ويقول: "جئت اليوم لألعب كرة القدم وأخرج ما بداخلي من تعب وضغط، عندما نأتي إلى هنا نلعب ونفرح وننسى قليلًا ما مررنا به".
ويحلم بتركيب طرف صناعي يساعده على المشي والركض بصورة أفضل، والعودة إلى حياة طبيعية مثل بقية الأطفال.
ويضيف: "أتمنى أن أركب طرفًا صناعيًا وأصبح مثل أطفال العالم، ألعب وأجري وأتحرك بشكل طبيعي، أطفال غزة حُرموا من أشياء كثيرة، وأنا أيضًا حرمت من أشياء كثيرة بسبب إصابتي".
ثم يعود إلى الملعب، يمسك الكرة، يحاول التحرك، يتعثر أحيانًا، لكنه يواصل اللعب. فكل خطوة يخطوها هناك هي محاولة لاستعادة شيء فقده خارج الملعب.
محمد... ميسي الصغير الذي لم يتخل عن حلمه
محمد، البالغ من العمر 13 عامًا من مدينة غزة، كان يحلم بأن يصبح لاعب كرة قدم مشهورًا، وأن يسير يومًا على خطى نجمه المفضل، الأرجنتيني ليونيل ميسي.
كانت كرة القدم بالنسبة إليه أكثر من لعبة؛ كانت مشروع مستقبل وحلمًا يرافقه كل يوم، حتى جاءت الإصابة وغيّرت مسار حياته؛ لكنها لم تستطع أن تنتزع حلمه بالكامل.
يحضر محمد التدريبات ليؤكد أن الإصابة لا تعني نهاية الطريق، وأن اللاعب يستطيع مواصلة اللعب حتى وإن تغيّرت طريقة ركضه وحركته.
في الملعب يلاحق الكرة، يراوغ، يسدد، ويضحك مع زملائه، وكأن الطفل الذي حلم يومًا بأن يصبح نجمًا عالميًا ما زال حيًا داخله.
ملعب صغير... وأمل كبير
لا يملك هؤلاء الأطفال ملعبًا متكاملًا، ولا معدات رياضية كافية، ولا حتى عددًا مناسبًا من الكرات، لكنهم يملكون ما هو أهم: الإرادة.
كل تمريرة تحمل قصة طفل غيّرت الإصابة حياته، وكل خطوة بعكاز هي محاولة لاستعادة الاستقلال، وكل ضحكة ترتسم على وجوههم تمثل انتصارًا صغيرًا على واقعٍ أثقل طفولتهم بالخوف والفقدان.
وتأمل المدربة شيماء فلفل أن تستمر هذه التدريبات، وأن يتحول الفريق إلى نادٍ قادر على المنافسة محليًا ودوليًا.
وتؤكد: "الأطفال لا يحتاجون فقط إلى كرة وملعب، بل إلى فرصة حقيقية ليشعروا بأنهم جزء من المجتمع، وأن البتر لا يعني العجز، وأن الإصابة لا ينبغي أن ترسم مستقبلهم".
