لم يتبقَّ سوى أقل من شهرين على بدء موسم قطف الزيتون في قرى وبلدات الضفة الغربية، ومع اقتراب الموعد، ينشغل المزارعون الفلسطينيون بالتحضير لموسمهم السنوي؛ فينظفون أراضيهم، ويشترون معدات القطف والسلال والنايلون اللازم، ويتواصلون مع العمال ومعاصر الزيتون.
هكذا يجري الأمر في معظم مناطق العالم، لكن موسم الزيتون في الضفة الغربية يحمل سؤالًا مختلفًا وأكثر قلقًا يفرض نفسه على المزارعين كل عام: هل سنتمكن أصلًا من الوصول إلى أراضينا؟
ففي ظل استمرار اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين، بات موسم الزيتون، الذي يمثل مصدرًا اقتصاديًا ورمزًا راسخًا في الحياة الفلسطينية، محفوفًا بالخوف والمخاطر، خصوصًا في القرى والبلدات القريبة من المستوطنات والبؤر الاستيطانية.
موسم تحت التهديد
تتعرض الأراضي الزراعية الفلسطينية، ولا سيما القريبة من المستوطنات والبؤر الاستيطانية والطرق الالتفافية، لاعتداءات متكررة تشمل منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، ومهاجمتهم أثناء توجههم إليها أو وجودهم فيها، فضلًا عن إحراق الأشجار وتخريبها وسرقة الثمار ومعدات القطاف.
ومع التوسع المتزايد للبؤر الاستيطانية، التي تقام تحت مسميات مختلفة، بينها البؤر «الرعوية والزراعية»، ازدادت مخاوف المزارعين من الوصول إلى أراضيهم بصورة فردية، ما دفع كثيرًا منهم إلى الذهاب في مجموعات، خشية تعرضهم للاعتداء.
وهكذا تحولت بعض الأراضي الزراعية من مصدر رزق ومساحة للعمل إلى مناطق محفوفة بالمخاطر، فيما أصبح الوصول إليها أكثر صعوبة عامًا بعد عام.
حلول مجتمعية في مواجهة الخطر
أمام هذه الظروف، لم يستسلم المزارعون، بل طوروا عددًا من الوسائل للتعامل مع المخاطر التي تحيط بموسم القطاف.
وتنظم قرى وبلدات فلسطينية أيام قطاف جماعية بمشاركة العائلات والمتطوعين الفلسطينيين والأجانب والمؤسسات المحلية، بهدف توفير حماية مجتمعية للمزارعين ومساعدتهم على إنجاز القطاف في أقصر وقت ممكن.
كما تسعى بعض العائلات والمجالس القروية إلى التنسيق المسبق للوصول إلى الأراضي القريبة من المستوطنات أو الواقعة خلف جدار الفصل، في حين تعمل المجالس المحلية على توثيق ملكية الأراضي والاعتداءات التي تتعرض لها، وتوفير فرق مساندة ترافق العائلات خلال موسم القطاف.
لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، لا تلغي المخاطر، إذ لا يزال المزارعون يواجهون اعتداءات ومنعًا من الوصول إلى أراضيهم، ما يهدد موسم الزيتون بصورة متكررة.
أرقام تكشف حجم الخطر
ووفقًا لتقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، شهد موسم الزيتون عام 2025 تصعيدًا كبيرًا في اعتداءات المستوطنين.
ووثق التقرير 178 اعتداءً مرتبطًا بموسم الزيتون خلال شهري أكتوبر ونوفمبر، طالت 88 تجمعًا فلسطينيًا، فيما شهد أكتوبر وحده أكثر من 260 اعتداءً للمستوطنين أدت إلى إصابات أو أضرار في الممتلكات، وهو أعلى رقم شهري تسجله الأمم المتحدة منذ بدء توثيق هذه الاعتداءات قبل نحو 20 عامًا.
وتنوعت الاعتداءات، بحسب التقرير، بين مهاجمة المزارعين داخل أراضيهم أو أثناء توجههم إليها، وسرقة ثمار الزيتون ومعدات القطاف، وإحراق الأشجار، ومنع الفلسطينيين من استكمال حصاد ثمار أشجارهم.
كما أشار التقرير إلى تخريب أكثر من 4200 شجرة وشتلة خلال جزء من موسم الزيتون الماضي.
وكانت محافظات رام الله ونابلس وسلفيت والخليل من أكثر المناطق تعرضًا للخطر، ولا سيما القرى الواقعة بالقرب من المستوطنات والطرق الالتفافية والبؤر الاستيطانية الجديدة، فيما حدد التقرير أكثر من 60 تجمعًا فلسطينيًا معرضًا بدرجة مرتفعة لاعتداءات المستوطنين والقيود المفروضة على الوصول إلى الأراضي.
حين يصبح الوصول إلى الأرض معركة
وتواجه عائلات فلسطينية كثيرة صعوبة في الوصول إلى أراضيها الواقعة خلف جدار الفصل أو بالقرب من المستوطنات، إذ يتطلب الوصول إليها في بعض الحالات تنسيقًا مسبقًا، وقد يكون لساعات محدودة فقط.
ويشكل هذا الوضع خطرًا إضافيًا على المحصول، إذ إن تأخير الوصول إلى الأشجار قد يؤدي إلى تساقط الثمار أو سرقتها، فضلًا عن ضياع جزء من الموسم قبل أن يتمكن أصحاب الأرض من قطافه.
ولا تقتصر الخسارة هنا على قيمة الزيتون نفسه، فالموسم يمثل مصدر دخل أساسيًا لآلاف العائلات الفلسطينية، ويمتد أثره الاقتصادي إلى قطاعات أخرى، من العمال والمزارعين إلى المعاصر ووسائل النقل والتعبئة والتسويق.
لذلك، فإن فقدان المحصول أو منع المزارع من قطافه لا يعني خسارة موسم واحد فقط، بل قد يعني حرمان الأسرة من مورد تعتمد عليه في سداد التزاماتها وتوفير احتياجاتها، فضلًا عن إضعاف قدرتها على رعاية الأرض والاستثمار فيها خلال الموسم التالي.
خطر يتجاوز موسمًا واحدًا
ويتمثل الخطر الأكبر على المدى البعيد في أن الغياب القسري للمزارعين عن أراضيهم قد يتيح فرض وقائع جديدة عليها، من خلال تمدد البؤر الاستيطانية، أو شق الطرق، أو إقامة الأسوار، أو تغيير طبيعة استخدام الأرض.
وبذلك، لا تصبح المشكلة مرتبطة بخسارة محصول موسمي فحسب، وإنما باحتمال فقدان القدرة على الوصول إلى الأرض بصورة دائمة، وما قد يترتب على ذلك من سيطرة تدريجية على مساحات إضافية منها.
الزيتون.. أكثر من محصول
ورغم أن الوصول إلى الأرض لم يعد مضمونًا بالنسبة إلى كثير من المزارعين، بل أصبح في بعض المناطق مخاطرة حقيقية، فإن العائلات الفلسطينية لا تزال متمسكة بموسم الزيتون.
فالزيتون بالنسبة إلى الفلسطينيين ليس مجرد محصول زراعي أو نشاط اقتصادي موسمي، بل يرتبط بالأرض والذاكرة والهوية والاستمرارية.
ولهذا، يتحول كل موسم قطاف إلى رسالة تتجاوز حدود الاقتصاد: الأرض ما زالت لأصحابها، والمزارع الذي يصر على الوصول إليها وقطاف أشجاره يؤكد أن حضوره فيها لم ينقطع.
وبينما يستعد المزارعون لموسم جديد، تبقى المعركة الحقيقية أبعد من الحصول على زيت الزيتون؛ إنها معركة الحفاظ على الأرض، والوصول إليها، وحمايتها من أن تتحول الاعتداءات المتكررة إلى واقع دائم.