من قلب ورشته المدمّرة وبين أطنان الخردة وقطع النايلون والأنقاض في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، يسطّر الشاب صلاح بعلوشة فصلًا جديدًا من فصول التحدي والإرادة؛ بعدما نجح في تحويل مصدر رزقه إلى المدمر انطلاقة لابتكار آلة بدائية لإعادة تدوير نفايات النايلون والمخلفات البلاستيكية، مصيراً الخطر البيئي إلى خامة نافعة تُصنّع منها مستلزمات حياتية وأثاث للاستخدام اليومي.
شرارة الفكرة
بدأت رحلة البحث والابتكار من قلب المعاناة اليومية، حيث يوضح "بعلوشة" أن الفكرة تولدت لديه أثناء إشعال النار لإعداد الطعام العائلي باستخدام أكياس النايلون المتوفرة بكثرة. وملاحظة انصهار المادة وتكتلها على الأرض لتشكيل كتلة صلبة تشبه البلاستيك المقوى، كانت الشرارة التي دفعته إلى إجراء تجارب متواصلة لضبط معايير ومكونات خلطة بلاستيكية جديدة.
وباستغلال خبرته السابقة في مجال تصنيع الألمنيوم قبل الحرب، شرع الشاب الغزي في تجميع قطع الخردة والأجزاء المتهالكة لبناء آلة إعادة تدوير متكاملة بإمكانيات ذاتية بسيطة؛ دون الحاجة لمعدات مستوردة، أو مصادر طاقة تقليدية.
يقول المهندس صلاح بعلوشة: "كنا نستخدم النايلون لإشعال النار لطهي الطعام، فلاحظت ذوبانه وتشكل مادة صلبة عند سقوطه. وجدت في ذلك فرصة لابتكار حقيقي، وبدأت رحلة تجارب حتى وصلت لتعديل الخلطات وتصميم الماكينة بالكامل من الخردة لتفادي هدر الموارد والتعامل مع أزمة الطاقة."
هندسة الصمود
وتتميز الآلة التي ابتكرها بعلوشة بقدرتها العالية على التكيف مع أحلك الظروف؛ إذ صُممت لتعمل بواسطة بطارية صغيرة بقوة 12 فولت فقط، أو حتى بالتشغيل اليدوي الكامل في حال نفاد الطاقة، مما يجعلها خيارًا مثاليًا للعمل في ظل انقطاع التيار الكهربائي المتواصل عن قطاع غزة.
وتعتمد الماكينة على آلية صهر وفلترة داخلية خاصة توفر استخدام المياه الهدر، حيث يُنقل النايلون المنصهر إلى "خزان التجانس" لخلطه بشكل متناسق. كما يضيف المبتكر مادة الرمل بنسبة تصل إلى 70% في بعض المنتجات التي تتطلب درجة عالية من الصلابة والمتانة، قبل صب المادة المنصهرة مباشرة في القوالب وكبسها يدويًا قبل أن تتجمد.
ويرتكز عمل الورشة كما يوضح "بعلوشة"، على منتجات حيوية لسد ثغرات الأزمة في القطاعات الخدمية والحرفية بين: توفير زوايا وقواعد بلاستيكية لورش الألمنيوم لتجميع الأثاث والمعدات وتأهيلها بأقل التكاليف.
وصناعة مقاعد دراسية مصغرة للتغلب على النقص الحاد في أثاث المدارس والمراكز التعليمية المؤقتة، مع العمل على إنتاج قواعد ومراحيض مؤقتة للمساهمة في الحد من أزمات الصرف الصحي وتجهيز مراكز الإيواء.
إقبال واسع
يشير بعلوشة إلى أنه يتلقى طلبات متزايدة من المواطنين والورش والجهات المحلية لشراء المنتجات البلاستيكية المعاد تدويرها، إلا أن شح المواد الخام وغياب المكابس الضاغطة الكبيرة يحدان من قدرته على تلبية جميع الاحتياجات المحلية المتزايدة.
ويختتم بعلوشة حديثه موجهًا رسالة إلى العالم تؤكد على إرادة الحياة لدى شباب غزة: "رسالتنا هي أننا نريد أن نعيش بسلام وازدهار. غزة مليئة بالطاقات والشباب الرياديين الذين يمتلكون الأفكار والطموح لحياة كريمة وتوقف هذه الحرب".