قائمة الموقع

تقرير صادم للبنك الدولي: تكدس الشيكل في البنوك يهدد شريان الاقتصاد الفلسطيني

2026-08-11T13:53:00+03:00
شمس نيوز - رام الله

 حذر البنك الدولي من استمرار التدهور المالي والاقتصادي في الأراضي الفلسطينية، مؤكداً أن التحسن الذي سجله الاقتصاد خلال عام 2025 لا يمثل تعافياً حقيقياً ومستداماً، في ظل استمرار القيود على الحركة والتجارة والعمل، وأزمة أموال المقاصة، وتصاعد مديونية السلطة الفلسطينية وانكشاف الجهاز المصرفي على القطاع العام.

وقال البنك الدولي، في تقريره الاقتصادي حول الضفة الغربية وقطاع غزة الصادر في أيار/مايو 2026، إن الاقتصاد الفلسطيني لا يزال يعاني من تداعيات عميقة للحرب التي اندلعت في تشرين الأول/أكتوبر 2023، رغم وقف إطلاق النار في غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2025، مشيراً إلى أن مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار توفر "نافذة مهمة ولكنها ضيقة ومشروطة" للانتقال من الإغاثة الطارئة إلى الاستقرار والتعافي والإصلاح.

وقدر البنك، استناداً إلى تقييم مشترك مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في قطاع غزة بنحو 71.5 مليار دولار، في مؤشر على الحجم غير المسبوق للدمار الذي أصاب البنية التحتية والمساكن والقطاعات الاقتصادية والخدمات الأساسية.

وبحسب التقرير، سجل الناتج المحلي الحقيقي في قطاع غزة نمواً بنحو 30% خلال عام 2025، إلا أن البنك شدد على أن هذا الرقم لا يعكس تعافياً فعلياً للاقتصاد، وإنما يعود بدرجة كبيرة إلى المقارنة بالمستويات شديدة الانخفاض التي وصل إليها النشاط الاقتصادي خلال عام 2024.

أما اقتصاد الضفة الغربية فسجل نمواً متواضعاً بنحو 3% خلال 2025، مدفوعاً جزئياً بعودة عدد محدود من العمال الفلسطينيين إلى سوق العمل الإسرائيلي، إلى جانب تحسن مؤقت في الاستهلاك وثقة المستهلكين بعد وقف إطلاق النار.

لكن البنك أكد أن مؤشرات الإنتاج والصناعة تظهر أن النشاط الاقتصادي في الضفة وغزة لا يزال أدنى بكثير من مستوياته التي سبقت تشرين الأول/أكتوبر 2023.

ووصف التقرير سوق العمل في غزة بأنه أصبح "شبه غير عامل"، حيث ارتفع معدل البطالة إلى نحو 78% خلال 2025 مقارنة بنحو 22% قبل الحرب، فيما بات أكثر من 90% من السكان في سن العمل دون وظيفة.

وفي الضفة الغربية، انخفضت البطالة من ذروة بلغت نحو 35% في نهاية 2023 إلى 27.5% في الربع الأخير من عام 2025، لكنها ما تزال عند مستويات مرتفعة جداً.

وأشار التقرير إلى ارتفاع عدد الفلسطينيين العاملين في إسرائيل والمستوطنات من نحو 24 ألف عامل في أعقاب اندلاع الحرب إلى أكثر من 50 ألفاً بنهاية 2025، إلا أن العدد لا يزال بعيداً عن أكثر من 177 ألف عامل كانوا يعملون هناك قبل تشرين الأول 2023.

ويرى البنك الدولي أن سوق العمل الإسرائيلي يمثل في المدى القصير أحد المنافذ القليلة لتخفيف الضغوط على البطالة والدخل، في وقت لا يزال فيه الاقتصاد الفلسطيني المحلي غير قادر على توليد فرص عمل بالقدر الكافي.

وفي أحد أبرز أجزاء التقرير، حذر البنك الدولي من تفاقم الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية نتيجة توقف وتحويل واقتطاع أجزاء كبيرة من أموال المقاصة، إلى جانب ضعف الإيرادات المحلية ومحدودية البدائل التمويلية.

وبلغ العجز المالي قبل المنح نحو 1.03 مليار دولار خلال 2025، فيما ارتفعت مساعدات المانحين إلى نحو 938 مليون دولار.

ورغم أن المساعدات خفضت العجز الظاهر بعد المنح إلى أقل من 100 مليون دولار، أوضح البنك أن احتساب الاقتطاعات الإسرائيلية من أموال المقاصة يرفع فجوة التمويل الفعلية إلى نحو 1.3 مليار دولار.

واضطرت السلطة، بحسب التقرير، إلى تمويل جزء متزايد من احتياجاتها من خلال الاقتراض من البنوك المحلية وتراكم المتأخرات وعدم دفع الالتزامات كاملة.

وبنهاية عام 2025، بلغت متأخرات السلطة المستحقة للقطاع الخاص نحو 1.82 مليار دولار، فيما وصلت المتأخرات للموظفين العموميين إلى نحو 2.85 مليار دولار.

كما ارتفع إجمالي الدين العام إلى نحو 4.8 مليار دولار، منها نحو 3.3 مليار دولار ديون للبنوك المحلية.

وحذر البنك من أن الوضع المالي مرشح لمزيد من التدهور خلال عام 2026.

وبحسب تقديراته، قد يتجاوز العجز المالي قبل المساعدات 1.2 مليار دولار، فيما يمكن أن تصل فجوة التمويل بعد احتساب المساعدات والاقتطاعات الإسرائيلية إلى نحو 1.6 مليار دولار.

لكن السيناريو الأخطر الذي يطرحه التقرير يتعلق باستمرار توقف تحويل أموال المقاصة، إذ يقدر البنك أنه في حال عدم استئناف تحويلها يمكن أن ترتفع فجوة التمويل إلى نحو 3.8 مليار دولار.

وفي مثل هذا السيناريو، يرجح البنك استمرار دفع رواتب موظفي القطاع العام بصورة جزئية، إضافة إلى تراكم المزيد من المتأخرات تجاه القطاع الخاص وصندوق التقاعد.

ولفت البنك الدولي إلى تزايد الترابط بين الأزمة المالية للسلطة والمخاطر التي تواجه الجهاز المصرفي الفلسطيني.

ويقدر التقرير أن القروض المباشرة المقدمة من البنوك للسلطة وصلت إلى نحو 3.3 مليار دولار، بينما يرفع احتساب القروض المقدمة لموظفي القطاع العام إجمالي تعرض القطاع المصرفي للقطاع العام إلى نحو 5.3 مليار دولار، أي ما يعادل حوالي 42% من إجمالي التسهيلات الائتمانية المصرفية.

وأشار البنك إلى أن استمرار هذا الاتجاه يزيد انتقال المخاطر المالية الحكومية إلى القطاع المصرفي، الأمر الذي يجعل الحفاظ على استقلالية سلطة النقد الفلسطينية وقدرتها الرقابية وإجراءات إدارة المخاطر أكثر أهمية.

وسلط التقرير الضوء كذلك على أزمة فائض النقد بالشيكل في المصارف الفلسطينية، موضحاً أن القيود المفروضة على تحويل النقد إلى البنوك الإسرائيلية أدت إلى تراكم نحو 16 مليار شيكل نقداً لدى المصارف الفلسطينية بنهاية كانون الأول/ديسمبر 2025.

وأوضح البنك أن المشكلة لا تتمثل في نقص الأوراق النقدية في الضفة الغربية، بل في وجود كميات كبيرة من النقد داخل خزائن البنوك، مقابل نقص السيولة الرقمية بالشيكل اللازمة لتسوية المدفوعات الخارجية وتمويل التجارة واستيراد السلع الأساسية.

وحذر من أن أي اضطراب كبير في علاقات البنوك الفلسطينية مع البنوك المراسلة الإسرائيلية يمكن أن تكون له تداعيات سريعة على القطاع المالي والتجارة واستيراد الوقود والمياه والأدوية والسلع الأساسية.

وفي القطاع الخاص، قدر البنك الدولي أن نحو 92% من المنشآت الاقتصادية في غزة في قطاعات الصناعة والخدمات والتجارة والسياحة والضيافة تعرضت للتدمير أو الضرر الجزئي.

وقال إن الاقتصاد في القطاع استقر عند مستويات نشاط منخفضة للغاية، وإن أي تحسن محدود لا يزال مرتبطاً بالوضع الأمني ودخول السلع والمواد اللازمة للإنتاج.

أما في الضفة، فما يزال النشاط الصناعي أدنى من مستوياته قبل الحرب، رغم تسجيل تحسن مؤقت خلال بعض أشهر 2025.

وأشار التقرير إلى استمرار التدهور الشديد في الخدمات الاجتماعية في غزة، حيث لا يعمل نحو نصف المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الأولية بشكل طبيعي، فيما يحتاج أكثر من 18,500 مريض، بينهم نحو 4,000 طفل، إلى تحويل عاجل للعلاج خارج القطاع.

وفي التعليم، أظهرت صور الأقمار الصناعية، وفق التقرير، أن جميع المدارس تقريباً تعرضت لأضرار، فيما تحتاج 93% منها إلى إعادة بناء كاملة.

وبنهاية عام 2025، كانت نحو 370 مساحة تعليمية مؤقتة تستوعب قرابة 215 ألف طفل فقط، أي نحو ثلث الأطفال في سن الدراسة في غزة.

كما أشار البنك إلى أن الفقر بات يطال أكثر من نصف السكان الفلسطينيين إجمالاً، مع معدل يقدر بنحو 18% في الضفة الغربية، بينما اقترب الفقر في غزة من أن يصبح شاملاً لمعظم السكان.

وخلص التقرير إلى أن قدرة الاقتصاد الفلسطيني على الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى التعافي تعتمد على مجموعة من العوامل التي يقع جزء كبير منها خارج السيطرة الفلسطينية.

ووضع البنك في مقدمة هذه العوامل استئناف التحويل المنتظم والمتوقع لأموال المقاصة، واستمرار الدعم المالي الدولي، والحفاظ على العلاقات المصرفية، وضمان حركة السلع والمواد والأفراد، إلى جانب توفير التمويل اللازم لإعادة إعمار غزة.

وفي الوقت نفسه، دعا إلى مواصلة الإصلاحات الفلسطينية المتعلقة بالإدارة المالية العامة، وتحسين تحصيل الإيرادات وكفاءة الإنفاق، وتعزيز الشفافية وبيئة الأعمال ودعم القطاع الخاص والمشاريع الصغيرة والمتوسطة.

وأكد البنك أن تحقيق استقرار تدريجي والانتقال لاحقاً نحو نمو اقتصادي يقوده القطاع الخاص ويولد فرص العمل يتطلب تحركاً منسقاً يجمع بين الإصلاحات الفلسطينية، وترتيبات إقليمية داعمة، وتمويل دولي مستدام.

اخبار ذات صلة