قائمة الموقع

شروق أبو سكران.. حكاية مؤلمة من قلب غزة فقدت زوجها وساقيها

2026-08-15T13:26:00+03:00
شروق أبو سكران
شمس نيوز - نضال أبو شربي

تدور شروق أبو سكران بعينيها في كل اتجاه، كأنها تنتظر أن يظهر من بين الركام وجه مألوف، أو صوت يعيد إلى المكان شيئا من الحياة. لكن لا شيء هناك سوى هدير طائرات الاستطلاع، وحركة الدبابات، ورائحة البارود التي تملأ الهواء وتلتصق بكل زاوية.

في الساعة الثانية ظهر الأربعاء، 18 أكتوبر 2023، أمسكت شروق بيد زوجها إبراهيم الجرجاوي، وخرجت معه بحثا عن مكان أكثر أمنا، تحتمي فيه من القصف المتواصل.

تركت طفلها الصغير لدى إحدى جاراتها، على أمل أن تعود إليه بعد العثور على مكان آمن. لم تكن تعلم أن تلك الخطوات القليلة ستكون آخر لحظات تجمعها بزوجها، وأن حياتها ستنقسم بعدها إلى ما قبل القذيفة وما بعدها.

لم يقطع الزوجان مسافة طويلة حتى ظهرت أمامهما دبابة إسرائيلية. تغير لون وجه شروق، وبدأ جسدها يرتجف خوفا مما قد يحدث، فاقتربت من إبراهيم وقالت بصوت خافت: "تعال يا إبراهيم بالقرب مني، ما تبعد عني".

وحاولت أن تهمس في أذنه بأن يتجها إلى الشارع الآخر، بينما كان إبراهيم يحاول طمأنتها، فطبطب على كتفها وابتسم.

أدارت شروق وجهها يمينا ويسارا، فرأت أعدادا من الناس يخرجون من الشوارع المجاورة. وعندما شاهدوا الزوجين، تشجع آخرون وخرجوا مسرعين بحثا عن طريق للنجاة؛ لكن اللحظات التالية حملت ما لم يكن في الحسبان؛ فجأة، ومن دون سابق إنذار، انطلقت قذيفة مدفعية من فوهة الدبابة.

اهتز المكان بعنف، وسقطت شروق أرضا، بينما تناثر الغبار والدخان في كل اتجاه، وحين استعادت وعيها، بدأت تبحث بعينيها عن إبراهيم وعن الأشخاص الذين كانوا معها قبل لحظات.

مرت دقائق بدت لها كأنها دهر، قبل أن تعثر على بقايا جثمان زوجها الذي مزقته القذيفة.

في تلك اللحظة، لم تعد شروق ترى الشارع الذي خرجت إليه بحثا عن الأمان كما كان؛ فقد تحول إلى مشهد من الدم والركام، بينما بقيت هي على قيد الحياة تحمل في ذاكرتها صورة اللحظة التي فقدت فيها زوجها وعددا من المواطنين أمام عينيها.

صرخت شروق بأعلى صوتها: "يا عالم، تعالوا ساعدوني"، لكنها لم تسمع سوى صدى صوتها، وهدير الطائرات، وأزيز الرصاص. لم تتمكن من الحركة، وبقيت ساعات طويلة تنتظر من ينتشلها وينتشل الجثامين من حولها.

ومع اقتراب غياب خيوط الشمس، تمكنت شروق من التحرك ببطء شديد، وعادت إلى المكان الذي تركت فيه طفلها. احتضنته وبكت بحرقة على فراق زوجها. وفي تلك الليلة، لم تستطع النوم أو الشعور بالراحة، فيما استمر القصف وإطلاق الرصاص من حولها.

انتظرت شروق مع طفلها حتى صباح اليوم التالي، علها تجد من يساعدها في انتشال جثمان زوجها، وتسللت ببطء إلى المكان الذي استشهد فيه إبراهيم، لكنها لم تجد الجثمان.

أصيبت بالصدمة، وراحت تسأل نفسها: "أين ذهب زوجي؟"، أخبرها أحد الموجودين أن الجثامين نقلت إلى مستشفى الشفاء، وهناك بدأت مرحلة أخرى من الوجع؛ وجع الوداع والدفن، لكنها لم تكن تملك حتى رفاهية الحزن كما يجب.

تقول شروق: "رحت على المستشفى، ولم يكن معي أحد من أهلي أو أهل زوجي، فقط كان شباب ما بعرفهم، هم ساعدوني ودفنوا زوجي".

ومنذ ذلك اليوم، حملت شروق أكثر من فقد، فلم تعد تعرف نفسها فقط كأرملة، بل تقول: "أنا زوجة الشهيد، وأخت الشهيد، وبنت الشهيد".

كانت تلك واحدة من محطات المعاناة التي عاشتها شروق منذ السابع من أكتوبر 2023، لكن حياتها دخلت مرحلة أكثر قسوة في 31 أغسطس 2024، حين أصيبت إصابة أدت إلى بتر ساقيها.

منذ ذلك الحين، وجدت شروق نفسها أمام واقع جديد، بعدما فقدت قدرتها على الحركة بصورة طبيعية، وتقول إن حياتها تغيرت وفقدت كثيرا من شغفها.

اليوم، تواجه شروق أزمات متفاقمة بسبب بتر ساقيها، ولا تطلب سوى فرصة للسفر خارج قطاع غزة من أجل تلقي العلاج اللازم وتركيب أطراف صناعية، علها تستعيد جزءا من قدرتها على الحركة، وتتمكن من رعاية طفلها الصغير.

لم تعد شروق تبحث عن حياة كما كانت قبل الحرب، بل عن فرصة بسيطة تساعدها على الوقوف من جديد، وحمل طفلها، ومواصلة حياتها رغم كل ما فقدته.

شروق، التي فقدت زوجها أمام عينيها ثم فقدت ساقيها، لا تزال تحمل في داخلها قصة امرأة لم تمنحها الحرب وقتا كافيا للحزن على فقدها الأول، قبل أن تضيف إليها فقدا آخر.

يُشار إلى أن وزارة الصحة الفلسطينية أكدت أن عدد الشهداء الفلسطينيين منذ بداية العدوّان الاسرائيلي في السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ تجاوز نحو (٧٣٣٨٩ شهيد ١٧٤٢٦٦ مصاب).

اخبار ذات صلة