مع حلول السادسة صباحاً، تعلو الصيحات المتداخلة بين خيام النازحين لكسر صمت الفجر: "الميا أجات.. أجو السواقين!"، في هذه اللحظة بالذات، ينطلق السباق المحموم نحو هدف واحد: الحصول على بضعة ليترات من الماء قبل فوات الأوان، إنها رحلة البحث التي باتت تُشكّل العبء الأكبر على كاهل العائلات، تحولت من مجرد أزمة خدماتية إلى معركة بقاء يومية تحكمها المخاطر والانقطاعات المتكررة.
فبالقرب من المناطق الفاصلة المسماة بـ «الخط الأصفر»، يقطع «أبو حسين» مسافات طويلة مشياً على الأقدام، وهو يحمل عبوات بلاستيكية ثقيلة لجلب المياه لأسرته، قائلاً "المسافة ليست مجرد أمتار نلتقط فيها أنفاسنا، بل هي مشقة وخوف دائم.. نضطر للمشي مسافات طويلة باتجاه محطة الفرا لتعبئة المياه الصالحة للشرب، لأن البديل هو العطش التام أو تجرّع مياه ملوثة تضر بأطفالنا."
وفي منطقة «الإقليمي» بمواصي رفح، تأخذ المعاناة أبعاداً أكثر خطورة وتعقيداً، حيث تروي «هديل غانم» واقع الحال الصعب مع وصول شاحنات التوزيع قائلة: "هنا مياه الشرب ما بتيجي بشكل دائم بسبب الرصاص الطايش، الكل بخاف.. لهيك لما تيجي بكون مشكلة كبيرة والكل بده يلحق يعبي. بتصير مشاكل والأوقات بتوصل إنهم يضربوا بعض، وأوقات كتير سواق الشاحنة لما يشوف الأمور تأزمت بمشي قبل ما الناس تعبي.. أغلب اعتمادنا صار على المياه العادية، وهي فعلياً مياه مالحة جداً.
ولم تسلم أجساد الأطفال الناعمة من هذا العبء الثقيل الذي فُرض عليهم؛ فعلى أطراف المخيم، يترنح الطفل «مؤمن الفرا» (10 سنوات) وهو يحاول السيطرة على عبوات مياه تفوق حجمه وقدرته الجسدية، يمسح عرق جبهته ويقول بلهجته البسيطة: "كل يوم بطلع أعبي ميا، الجيلانات ثقيلة كتير وعضلاتي وبطني بصيروا يوجعوني، وبخاف تندفق مني ونضل طول اليوم بلا ميا.. بس لازم أرجع فيها عشان أمي تقدر تطبخ ونشرب."
تحذّر تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) من أن متوسط حصة الفرد في قطاع غزة تراجعت إلى ما بين 3 إلى 5 ليترات يومياً فقط للشرب والطبخ، وهو ما يقل كثيراً عن الحد الأدنى المعترف به دولياً في حالات الطوارئ والمحدد بـ 15 ليتراً للفرد يومياً.
تفيد بيانات منظمة اليونيسف (UNICEF) بأن أكثر من 70% من مرافق المياه والصرف الصحي وتمديدات الشبكات قد تضررت أو خرجت عن الخدمة بالكامل، مما قطع شبكة الإمداد عن معظم المناطق.
تؤكد منظمة الصحة العالمية (WHO) أن ما يزيد على 95% من المياه المستخرجة غير صالحة للاستهلاك البشري وتتجاوز معايير الملوحة والتلوث، مما أدى إلى ارتفاع حالات الإصابة بالإسهال الحاد والأمراض المعوية بين الأطفال دون سن الخمسة بنسب تجاوزت 400% مقارنة بالمعدلات الطبيعية.
وبين خطورة الطرقات ، وطوابير الانتظار المشتعلة بالخوف، وحسرة الآباء وأجساد الأطفال المنهكة، تبقى قطرة الماء الصالحة للشرب والطبخ حقاً أساسياً غائباً.
وفي ظل هذا الجفاف المحيط بكافة مناحي الحياة، يظل السؤال قائماً: إلى متى ستبقى العائلات تتجرع مرارة العطش وتدفع من صحتها وأجساد أبنائها ثمناً للحصول على أبسط مقومات الحياة؟