تكاد مقولة الفيلسوف العسكري البروسي، كارل فون كلاوزفيتز: «الحرب امتداد للسياسة بوسائل أخرى»، تنقلب إلى الضدّ تماماً في الحالة الإسرائيلية، حيث تمثّل السياسة امتداداً للحرب بأساليب أخرى. فالحرب، بالنسبة إلى إسرائيل الآن - وسابقاً أيضاً في الواقع -، هي التي ترسم حدود المسموح والممنوع، وتضبط إيقاع الحياة العامّة، في حين بات يميل الناخب الإسرائيلي - أكثر من ما كان عليه في أيّ وقت مضى - إلى تفضيل مَن يعرف كيف يخوض المعركة أوّلاً - بمعزل عن أيّ اعتبارات أخرى -، ويغدو «الكنيست» أشبه بغرفة عمليات يتصدّرها العسكريون والمتطرّفون. والواقع أن هذه الظاهرة ليست جديدة تماماً؛ فالحكومات الإسرائيلية المتعاقبة دأبت على استثمار حالة الطوارئ الدائمة وتغذيتها، مستغِلّةً استمرار الصراع في توحيد الصفوف وإسكات المعارضة، وتنويم مسائل الهوية والعدالة الاجتماعية تحت ذريعة الأمن القومي. وهكذا، فإن السياسة الإسرائيلية دائماً ما كانت تبحث عن ساحات قتال جديدة تُعيد بها إنتاج شرعية «الدولة» والمشروع، وحتى القيادات نفسها، كما هو الحال اليوم مع بنيامين نتنياهو.
قد يبرز اعتراض هنا من منطلق النظر في اتفاقات التسوية الموقَّعة مع مصر والأردن، إلّا أن الواقع يقول إن تلك الاتفاقات منسجمة في جوهرها مع مقاربة الحرب الدائمة، إذ إن «كامب ديفيد»، الموقَّعة عام 1979، لم تولد من رغبة في طيّ صفحة الصراع، بل من حساب عسكري بارد، أدركت بموجبه تل أبيب أن كلفة مواصلة القتال على الجبهة المصرية تفوق قدراتها، وأن عليها تحييد العدو المصري حتى تتمكّن من تحويل طاقتها القتالية صوب جبهات أخرى. صحيح أن مَن وقّع هذه المعاهدة هو مناحيم بيغن، الذي لم يكن عسكرياً بالمعنى المهني، إلّا أن الرجل بدا هو الآخر نتاجاً للعقلية الأمنية ذاتها؛ فقد قاد منظمة «الأرغون» الإرهابية قبل إعلان «دولة إسرائيل»، وتشبّع بمنطق القوة طوال مسيرته. وبالتالي، لم تشذّ خطواته من النمط المشار إليه. أمّا «وادي عربة» مع الأردن، فقد ولدت في ظلّ اختلال موازين القوى لمصلحة إسرائيل، وشبه انصياع أردني كامل للإرادة الإسرائيلية. وحتى «اتفاقية أوسلو» لم تكن، في حقيقتها، سوى ترتيب أمني مؤقّت؛ إذ لم تتضمّن وقفاً للاستيطان، ولا جدولاً زمنياً لإنهاء الاحتلال. لا بل إنها سرعان ما تحوّلت، بعد اغتيال إسحاق رابين، واعتبار المؤسسة الأمنية إيّاها متناقضة مع معادلتها القتالية، إلى غطاء لاستيطان متسارع.
ليس مصادفة، إذاً، أن معظم من وقّعوا تلك الاتفاقات أو حاولوا ترسيخها كانوا قادة عسكريين سابقين: من إسحاق رابين رئيس الأركان السابق، إلى إيهود باراك رئيس الأركان السابق أيضاً، وحتى أرييل شارون الذي انسحب من غزة بوصفه جنرالاً ساعياً لإعادة رسم الخريطة القتالية، بعدما فهم أن الاحتفاظ بالقطاع عبء أمني لا جدوى منه. ومن أجل فهم هذا السلوك المتجذّر، تجدر العودة إلى مقالة زئيف جابوتنسكي، «الجدار الحديدي»، المنشورة عام 1923، التي جادل فيها بأن العرب لن يقبلوا بأغلبية يهودية، إلّا أمام قوة عسكرية لا تُخترق؛ وهو ما مثّل لاحقاً مصدر إلهام لتيّار الصهيونية التصحيحية الذي تفرّعت منه أحزاب «الليكود» واليمين الحاكم اليوم. وكان ديفيد بن غوريون جسّد هذا المنطق عملياً عبر مفهوم «المملختيوت»، وتحويل الجيش إلى المؤسّسة الجامعة للأمّة؛ فهو المدرسة والمصنع والجامعة وبوابة الاندماج الوحيدة، وكلّ إسرائيلي عليه أن يمرّ به حتى يصير مواطناً كاملاً. والجدير ذكره، هنا، أن بن غوريون لم يمانع، من أجل تثبيت المفهوم المُشار إليه، قصف سفينة «ألتالينا» التي كانت تحمل سلاحاً ثميناً لصالح الميليشيات الصهيونية، وذلك منعاً لتقوية عود هذه الأخيرة وتحوّلها إلى قوة موازية للجيش.
وفي الأصل، فإن إسرائيل وُلدت بلا حدود طبيعية أو مستقرّة، وظلّت في حالة توسّع دائم؛ كما أنها بطبيعتها دولة استيطانية، ما يعني أن الحرب ستمثّل دائماً شرطاً لوجودها، خصوصاً مع اشتغال رموز المشروع الصهيوني على تحويل صدمة الجرائم النازية في حق اليهود، إلى طبقة ثقافية ونفسية سميكة وعقيدة حديدية تجلّيها عبارة «لن تتكرّر»، تجعل إسرائيل تعتمد على قوتها وحدها لفرض أمنها. وإذ تحوّلت القناعة المُشار إليها إلى بنية ثقافية وسياسية تشرعن الحروب، وتفسد أفق التسويات، وتجعل الميل إلى هذه الأخيرة نوعاً من الخيانة، فإن أيّاً من التيارات الهامشية التي حاولت كسْر تلك الحلقة لم يفلح في ذلك.
هذا المسار سيبلغ ذروته قبل ثلاث سنوات، مع أحداث السابع من تشرين الأول 2023 التي عرّت البنية التأسيسية بأكملها أمام الإسرائيليين أنفسهم، وبدت معها أسطورة الأمن المُطلق وكأنها تنهار تماماً. لكنّ الردّ لم يكن بمراجعةٍ استراتيجيةٍ للعقيدة التي تحكم الوعي الجمعي الإسرائيلي، بل بمزيد من القوة والعنف، وبحرب إبادة شاملة متعدّدة الساحات. وهكذا، فإن ما نراه اليوم يمثّل تتويجاً لمسار بدأ قبل قرن؛ فإسرائيل لم تكن يوماً دولة مدنية تمتلك جيشاً فحسب، بل هي في جوهرها أقرب إلى مشروع عسكري ارتدى ثوب الدولة. وهذا يجعل أيّ تغيير في سلوكها تكتيكياً في الغالب، لا استراتيجياً، سواء حَكَمها يسار أم يمين، متديّنون أم علمانيون.
المصدر: الأخبار اللبنانية