عندما يرى الإنسان البحر وأمواجه، يشعر عادةً بالراحة والهدوء والسكينة؛ لكن في قطاع غزة تبدو المعادلة مختلفة تمامًا؛ فبالنسبة إلى النازحة نصرة الحوراني، لم يعد البحر مساحة للاستجمام أو متنفسًا للهروب من ضغوط الحياة، بل تحول إلى مصدر تستخدمه يوميًا لغسل أغطيتها وأمتعتها، بعدما عجزت عن توفير المياه الصالحة للاستخدام.
تعيش الحوراني مع أبنائها داخل خيمة صغيرة على شاطئ بحر مدينة غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وسط ظروف إنسانية قاسية، تكافح خلالها يوميًا لتوفير المياه اللازمة للشرب والنظافة والغسيل، رغم أن مياه البحر لا تبعد عنها سوى أمتار قليلة.
لكن قرب البحر لا يعني توفر المياه الصالحة للاستخدام؛ فمياهه المالحة لا تُعد مناسبة لغسل الملابس أو السجاد أو البطانيات أو أدوات المطبخ، بسبب تركيزها المرتفع من الأملاح والمعادن والرمال، ومع ذلك، تجد الحوراني نفسها مضطرة إلى استخدامها يوميًا للغسيل، في ظل شح المياه الصالحة للاستخدام وارتفاع الحاجة إليها للشرب والطهي.
وفي كل صباح، تحمل نصرة أغطيتها وحصائرها إلى شاطئ البحر، تغسلها بمياهه، ثم تعود بها إلى خيمتها، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من النظافة والكرامة وسط واقع النزوح القاسي.
وتقول الحوراني لمراسل "شمس نيوز": "تركنا بيتنا وكل شيء جميل خلفنا، وجئنا إلى هنا بحثًا عن مكان أكثر أمانًا، والآن نعيش في خيمة صغيرة، الحياة فيها صعبة جدًا، وكل يوم نواجه مشكلة جديدة؛ لكن من أصعب المشاكل التي نعيشها مشكلة المياه".
وتضيف: "لم آتِ إلى البحر من أجل التنزه، وإنما جئت لغسل السجاد والأغطية والحصير، لعدم توفر المياه الصالحة للاستخدام الآدمي، وإذا توفرت، فهي قليلة جدًا ولا تكفي إلا للشرب".
وتوضح الحوراني أنها لا تستطيع استخدام مياه الشرب لغسل السجاد أو البطانيات أو الحصير أو أدوات الطهي، لأن الكميات المتوفرة لا تكاد تكفي الاحتياجات الأساسية للأسرة، ولذلك تضطر في كل صباح إلى غسلها بمياه البحر.
وتستعيد نصرة صورة البحر قبل الحرب، حين كان مكانًا للراحة والاستجمام، لتقول: "لم أتخيل يومًا أن أغسل السجاد والملابس والبطانيات والحصير بمياه البحر. قبل الحرب، كنا نستجم في مياه البحر، ثم نعود إلى منازلنا لننظف أجسادنا من ملوحة البحر القاسية".
وتتحول هذه الذكريات بالنسبة إليها إلى مفارقة مؤلمة؛ فالمكان نفسه الذي كان يمنحها وعائلتها لحظات من الراحة أصبح اليوم جزءًا من معاناة النزوح، فيما بات الحصول على المياه الصالحة للاستخدام تحديًا يوميًا.
أزمة مياه تتجاوز الخيمة
ولا تبدو معاناة نصرة حالة فردية، إذ تأتي في ظل أزمة مياه واسعة يعيشها سكان قطاع غزة، مع استمرار تضرر مصادر المياه وشبكات الإمداد وصعوبة الوصول إلى كميات كافية من المياه الصالحة للشرب والاستخدام اليومي.
وتشير تقارير أممية حديثة إلى أن نحو 90% من سكان غزة واجهوا مستويات متوسطة إلى مرتفعة من انعدام الأمن المائي في أوائل يوليو/تموز، فيما لم يتمكن أكثر من 1.3 مليون شخص من الوصول إلا إلى كميات محدودة جدًا من المياه الصالحة للشرب والطهي.
وأمام هذا الواقع، تناشد الحوراني العالم بالتدخل العاجل لإنقاذ سكان قطاع غزة، وتوفير أماكن آمنة لهم، وضمان الحد الأدنى من المياه الصالحة للاستخدام.
وتقول إن توفير المياه ليس مطلبًا مستحيلًا، وإنما يحتاج إلى إرادة حقيقية لإنقاذ الأطفال والنساء والرجال وكبار السن من العطش، ومنح النازحين الحد الأدنى من مقومات الحياة والكرامة.
لماذا لا تصلح مياه البحر لغسل الملابس؟
وبحسب دراسات وإرشادات علمية متخصصة، فإن مياه البحر لا تصلح لغسل الملابس والأقمشة، بسبب احتوائها على تركيزات مرتفعة من الأملاح والمعادن، وهو ما قد يترك آثارًا سلبية على الأقمشة ويؤثر في كفاءة عملية الغسيل، كما أن ملامسة بقايا الأملاح للجلد قد تسبب تهيجًا، خصوصًا لدى الأطفال والأشخاص ذوي البشرة الحساسة.
كما يمكن أن تترك المياه المالحة رواسب ملحية على الملابس والأقمشة، ما يستدعي شطفها بالمياه العذبة لإزالة تلك الرواسب، وهي مياه لا تتوفر بسهولة لدى النازحين الذين يعانون أصلًا شحًا شديدًا في المياه.
وتؤدي الملوحة المرتفعة أيضًا إلى تراكم الأملاح بين ألياف السجاد والبطانيات والأقمشة، ما قد يؤثر في ملمسها ويجعلها أكثر خشونة مع تكرار الاستخدام.
ولا تتوقف المشكلة عند الأقمشة؛ فالأملاح والمعادن الموجودة في المياه المالحة قد تؤثر في فعالية بعض المنظفات، كما أن المياه ذات المحتوى المعدني المرتفع تقلل من كفاءة الصابون والمنظفات في التنظيف، ما يجعل إزالة الأوساخ أكثر صعوبة.
وهكذا، لم تعد نصرة الحوراني تنظر إلى البحر بوصفه مساحة للمتعة كما كان قبل الحرب، بل تراه اليوم خيارًا اضطراريًا لغسل ما تستطيع من أغطية وأمتعة، في مشهد يلخص جانبًا من حياة آلاف النازحين الذين يبحثون، وسط الخيام وعلى امتداد شاطئ غزة، عن أبسط مقومات الحياة
