قائمة الموقع

حمزة الرباعي.. حين يولد الطفل من رحم أمه الشهيدة

2026-08-22T16:03:00+03:00
حمزة الرباعي
شمس نيوز - نضال أبو شربي

في مكانٍ امتلأ بالنازحين والوجع، يعيش الطفل حمزة الرباعي، الذي لم يتجاوز عمره عامًا واحدًا، في مدرسة الكرمل بمدينة غزة، محاطًا بذكريات عائلة لم يعرفها إلا من خلال الصور وحكايات أقاربه.

حمزة ليس طفلًا يتيمًا فحسب، بل هو الناجي الوحيد من أسرته، فقد ثلاثة من إخوته في قصف استهدف منزل العائلة في 18 مارس/آذار 2024، بينما أصيبت والدته آنذاك، وبعد فقدان أبنائهم الثلاثة، قرر والداه محاولة بدء حياة جديدة وانتظار مولودهما الذي كان يفترض أن يرى النور بعد أيام قليلة.

الحرب لم تمنحهما فرصة.

في الرابع من سبتمبر/أيلول 2025، وبينما كانت والدة حمزة في شهرها التاسع، استُهدفت الخيمة التي كان يقيم فيها والداه، استشهد الأب والأم قبل أن يريا طفلهما، لكن الجنين بقي حيًا في رحم أمه.

وعندما وصلت الطواقم الطبية إلى المكان، اكتشف المسعفون أن الأم كانت تحمل طفلًا على وشك الولادة، وبعد استشهادها، أُجريت لها عملية قيصرية، ليخرج حمزة إلى الحياة في اليوم ذاته الذي فقد فيه والديه.

ولد حمزة في الرابع من سبتمبر، لكنه لم يجد في ذلك اليوم أبًا يحتضنه، ولا أمًا تنتظره، ولا إخوة يستقبلونه، وجد نفسه وحيدًا وسط مأساة عائلة كاملة.

الجد سامي إسماعيل محمد الرباعي (66 عاما) يروي تفاصيل مأساة الطفل حمزة، وكيف تحولت حياة الطفل إلى قصة فقد متواصل.

يقول: "أنا جد الطفل حمزة الرباعي، الناجي الوحيد من عائلته، في 18 مارس/آذار 2024، تم قصف بيتنا، واستشهد ثلاثة من إخوة حمزة، وهم محمد وأنس وديمة، وأصيبت والدته في ذلك القصف".

ويضيف: "بعد استشهاد أولادهم الثلاثة، فكر والد حمزة ووالدته في أن يعوضوا فقدانهم بطفل جديد، كانت والدته حاملًا، وكان متبقيًا على موعد ولادتها نحو أربعة أيام فقط، لكن قبل أن يأتي موعد الولادة الطبيعي، تم استهداف الخيمة التي كان فيها الأب والأم".

ويتابع الجد: "استشهد الأب والأم، وكانت الأم في شهرها التاسع، وبعد وصول الإسعاف، عرفوا أنها حامل وأن الجنين ما زال حيًا، فأُجريت لها عملية قيصرية، وخرج حمزة إلى الحياة في اليوم نفسه الذي استشهد فيه والداه".

ويشير إلى أن الطفل عانى من نقص الأكسجين، وخضع منذ ولادته للعلاج والمتابعة الطبية، قائلًا: "حمزة خرج من رحم أمه بعد استشهادها، ولذلك حصل عنده نقص في الأكسجين، لكنه والحمد لله موجود بيننا، ونأمل من الله أن يشفيه شفاءً تامًا".

ويحمل الجد مسؤولية رعاية الطفل: "أنا ربيت أبوه من قبل، لأن أبوه كان يتيمًا، وربّيته وعلمته حتى كبر وتزوج، واليوم أنا أربي ابنه، يعني أنا ربيت الجيل الثاني من هذه العائلة، وإن شاء الله ربنا يعطيني العمر والصحة حتى أستطيع أن أرعى حمزة".

ثم يصمت الجد للحظات قبل أن يشير: "حمزة هو الناجي الوحيد، أبوه وأمه وإخوته الثلاثة رحلوا، ولم يبقَ من الأسرة إلا هذا الطفل".

أما جدة حمزة، فتتحدث عن المأساة بمرارة، وهي ترى أمامها طفلًا لم تمنحه الحرب فرصة ليعرف معنى الأسرة.

فتقول: "أنا عمري 66 سنة، والشغل في غزة أصبح صعبًا، خصوصًا لكبار السن، مصدر رزقي تضرر، لكن كل هذا يهون أمام مصيبة حمزة".

وتروي تفاصيل يوم ولادته: "ولد حمزة يوم 4 سبتمبر/أيلول، وهو نفس اليوم الذي استشهد فيه أبوه وأمه، كانت أمه باقي على ولادتها أربعة أيام، لكن القصف سبق موعد الولادة."

وتتابع: "بعد استشهاد أمه وأبوه، أجروا لها عملية قيصرية وأخرجوا الطفل من بطنها. يعني الطفل جاء إلى الدنيا، لكن أمه وأبوه لم يروه، ولم يحملوه، ولم يسمعوا صوته."

وتشير إلى صور إخوة حمزة الثلاثة، قائلة: "هذه ديمة، أخته، وهذا أنس، أخوه، وهذا محمد، أخوه، الثلاثة استشهدوا في يوم واحد، بتاريخ 18 مارس/آذار 2024."

ثم تضيف: "هؤلاء كانوا إخوة حمزة، لكنه لم يعرفهم، وبعد سنة ونصف تقريبًا استشهد أبوه وأمه، وأصبح هو الناجي الوحيد".

وتتساءل الجدة بحرقة: "بأي قانون وبأي أعراف يحدث هذا؟ أولادنا ليسوا أرقامًا، هؤلاء أطفال لهم حياة وأحلام ومستقبل، حمزة اليوم طفل صغير، لكن عندما يكبر، ماذا سيقول عندما يسأل: "أين أمي؟ أين أبي؟ أين إخوتي؟ من سيخبره بكل هذه الحكاية؟".

وتفيد إلى أن الطفل يحتاج إلى الرعاية والعلاج، قائلة: "نحن نريد فقط أن يعيش حمزة حياة طبيعية، أن يكبر ويجد من يرعاه، وأن يحصل على العلاج الذي يحتاجه. هو لم يختر أن يكون يتيمًا، ولم يختر أن يكون الناجي الوحيد."

في مدرسة الكرمل، لا يعرف حمزة شيئًا عن الحرب التي أخذت عائلته، ولا يدرك بعد معنى أن يكون الناجي الوحيد. يكبر الطفل عامًا بعد عام، فيما تكبر معه أسئلة ستطارده عندما يبدأ في فهم قصته.

في الرابع من سبتمبر/أيلول، سيحتفل حمزة بيوم ميلاده، لكنه سيحمل تاريخًا مختلفًا عن بقية الأطفال؛ فهو اليوم الذي جاء فيه إلى الحياة ورحل فيه والداه في اللحظة نفسها.

ثلاثة إخوة سبقوه إلى الرحيل، ثم لحق بهم أبوه وأمه، وبقي هو وحده يحمل اسم عائلة فقدت أفرادها واحدًا تلو الآخر.

حمزة لم يختر أن يكون شاهدًا أخيرًا على عائلته، لكنه أصبح كذلك. طفلٌ بدأ حياته من رحم الموت، وخرج إلى عالمٍ لم يجد فيه اليد التي تحمله، ولا الحضن الذي ينتظره. وربما تكون أكبر أمنياته في المستقبل، حين يكبر ويقرأ حكايته، أن يجد إجابة واحدة عن السؤال الذي لا يستطيع طرحه اليوم: لماذا وُلدتُ وحيدًا؟

اخبار ذات صلة