غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

بالصور عود ثقاب في مهب الحرب.. حين تصبح "القداحة" طوق نجاة الغزيين

القداحة أو الولاعة في غزة.jpg
شمس نيوز - نضال أبو شربي

الولاعة أو القداحة كما يطلق عليها العزيون تعد أداة مهمة جدًا لإشعال النار لطهي الطعام أو صناعة القهوة والشاي، فلا يمكن الاستغناء عنها في ظل وضع اقتصادي صعب يجتاح قطاع غزة منذ بداية الحرب الإسرائيلية في السابع من أكتوبر 2023.

قبل الحرب كانت الولاعة سلعة بسيطة تُشترى بثمن زهيد وتُرمى بمجرد نفاد غازها، لكن اليوم باتت أداة بالغة الأهمية تحرص العائلات على الاحتفاظ بها، وصيانتها، وتبادل استعارتها مع الجيران.

ومع شح السلع الأساسية وارتفاع الأسعار الجنوني، يتحدث مواطنون عن وصول سعر الولاعة الواحدة إلى نحو 70 شيكلاً وأكثر، بينما تشير شهادات أخرى إلى أسعار تفوق ذلك لبعض الأنواع.

أزمة تبدأ من الجيب

وفي هذا السياق قال النازح وسام محمد: "زمان إذا ضاعت القداحة نشتري غيرها بدون تفكير، اليوم الواحد بدور عليها لأنه ممكن ما يقدر يشتري غيرها، صارت غالية، وكل شيكل له حساب".

وأضاف بحسرة: "القداحة هاي حياتي؛ إذا ضاعت بزعل عليها، ليس لأنها غالية فحسب، بل لعدم قدرتي على شراء واحدة جديدة كل فترة".

ولاعة واحدة لعشرات الخيام

في خيام النزوح، تأخذ الأزمة أبعاداً أشد قسوة؛ فالعائلات التي تعتمد على الحطب والوسائل البديلة للطهي بحاجة ماسة إلى وسيلة لإشعال النار، مما جعل الولاعة ملكية مشتركة بين الخيام والجيران.

صيانة القداحة أو الولاعة في غزة.jpg
 

تقول أحلام عدنان (37 عاماً)، النازحة مع زوجها العاطل عن العمل وأطفالها السبعة في إحدى خيام مدينة غزة: "إن الحصول على ولاعة أصبح مهمة شاقة، أحياناً أستعيرها من جارتي، أو أرسل أحد أطفالي لجلب جمرة نار من شخص آخر لنتمكن من الطهي أو تسخين المياه. المشكلة أن الجميع بحاجة ماسة إلى الولاعة نفسها".

ولا تختلف معاناة الحاجة أم وليد (70 عاماً)، النازحة من حي الشجاعية والمقيمة في مخيمات منطقة الشفا، حيث تحولت ولاعتها الخاصة إلى مقصْد دائم للجيران، توضح قائلة: "قداحتي طول النهار مع الناس، الجيران يستعيرونها لإشعال النار، أو تسخين المياه، وتحضير الحليب للأطفال. لا أستطيع أن أرفض طلبهم لأننا جميعاً نعيش الظروف ذاتها".

"القداحة انسرقت".. ألم يتجاوز التعطل

لم تعد مخاوف المواطنين تقتصر على تعطل الولاعات، بل بات فقدانها أو تعرضها للسرقة مصدراً لقلق حقيقي ويومي.

يشير نافذ سليمان بالقول: «صار الواحد يحطها في جيب محدد ولا يخرجها إلا عند الحاجة القصوى. وإذا أعطيتها لشخص ما، تظل عينك عليها، لأنه لو فقدت ستضطر لدفع مبلغ باهظ للحصول على بديل». ويضيف: «مشكلتنا ليست في القداحة وحدها، بل في الغلاء الشامل. عندما تصل قطعة صغيرة إلى عشرات الشواكل، فهذا يعني أن المواطن صار يحسب ألف حساب لكل شيء قبل أن يشتريه».

من البناء إلى صيانة الولاعات

في منطقة السرايا وسط مدينة غزة، وجد أحمد (35 عاماً) نفسه أمام مهنة لم يخطر بباله أن يمتهنها يوماً. فبعد توقف عمله في قطاع البناء جراء الحرب، لجأ إلى إصلاح الولاعات لتوفير الحد الأدنى من دخل يعيل به أسرته المكونة من خمسة أفراد.

يقول أحمد: "الناس يأتون من أماكن متفرقة لإصلاح قداحاتهم، فالكثيرون يعجزون عن شراء واحدة جديدة في ظل بلوغ سعرها عشرات الشواكل". يعمد أحمد إلى جمع الولاعات التالفة وتفكيكها للاستفادة من أجزائها، فيستبدل القطع المعطلة بأخرى مستعملة، ثم يعيد تركيبها واختبارها.

ويُبين أن تكلفة الإصلاح تتباين حسب طبيعة العطل، لكنها تبقى زهيدة مقارنة بشراء ولاعة جديدة، مما يجعل المواطنين يفضلون إصلاحها مرات عدة بدلاً من التخلص منها.

حين تصبح الولاعة أهم من الطعام

بالنسبة للنازحة فاطمة مصطفى (36 عاماً)، أم لأربعة أطفال، أصبحت الولاعة ركناً أساسياً من تفاصيل الحياة اليومية: «أحياناً تصبح القداحة أهم من أشياء كثيرة، لأننا نفكر كل يوم في كيفية إشعال النار لنطبخ أو نسخن المياه، إذا تعطلت نحاول إصلاحها، وإذا عجزنا نبدأ رحلة بحث مضنية عنها بين الخيام".

أما ابتسام موسى (55 عاماً)، فقد اضطرت إلى شراء ولاعة بنحو 90 شيكلاً بعد اعتمادها على فرن طيني لإعداد الخبز للنازحين المقيمين معها، وتقول: "كنت أستعير القداحة من الجيران، ومع الوقت ادخرت المال واشتريت واحدة، وبعد كثرة استخدامها تعطلت فأصلحتها، ثم تعطلت مجدداً".

وتضيف ابتسام: "الناس يأتون إلى الفرن لإشعال قطعة كرتون أو حطب وحملها إلى خيامهم، كلنا نحتاج النار، وكلنا نعاني من شح أبسط الاحتياجات".

إصلاح القداحة أو الولاعة في غزة.jpg
 

أزمة تتغلغل في أدق التفاصيل

قد تبدو حكاية الولاعة تفصيلياً صغيراً مقارنة بحجم المأساة والكارثة الإنسانية في قطاع غزة، لكنها تجسد بدقة التحول العميق الذي ضرب حياة السكان؛ فلم يعد غلاء الأسعار مقتصراً على الغذاء والدواء والماء، بل امتد ليشمل أبسط الأدوات التي كانت في الماضي متاحة للجميع وبلا ثمن يُذكر.

الولاعة التي كانت سلعة هامشية أصبحت اليوم ممتلكات ثمينة تُستعار وتُصان وتُحفظ بعناية، وتتشاركها عائلات متعددة لإشعال شعلة طعام واحدة.