من أبرز نتائج الحربين العالميتين الأولى والثانية، اللتين مهدت لهما قوى الاستعمار والإمبريالية للسيطرة على العالم العربي، كان مشروع سايكس بيكو وتوابعه.
مشروع لم يكتفِ بتقسيم الجغرافيا، بل تعمّد تفكيك الوعي.
فبدل أمة واحدة ممتدة من المحيط إلى الخليج، جرى تكريس "القُطر" كوحدة سياسية نهائية.
وصار لكل قُطر هوية خاصة، وخطاب خاص، وقضايا خاصة.
وهكذا تم ترسيخ فكرة أن "كل شعب يقرر في نطاق قطره"، بعيداً عن أي عمق قومي عربي أو مرجعية إسلامية جامعة.
التحول في مفهوم التمثيل
في هذا السياق تم تأسيس *منظمة التحرير الفلسطينية* كمعبر عن إرادة الشعب الفلسطيني.
وكان ميثاقها في بداياته يحمل بعداً قومياً ووطنياً واضحاً، ويؤكد أن فلسطين قضية الأمة كلها.
لكن مع مرور الزمن، جرى استثمار فكرة "التمثيل" في اتجاه آخر.
فبدل أن يكون التمثيل الفلسطيني *تمثيلاً للقضية داخل الأمة*، تحول تدريجياً إلى تمثيل قطري منفصل.
أي التعامل مع فلسطين كـ "قضية محلية" يمكن حصرها في حدود جغرافية وإدارية.
هذا التحول كان له كلفة كبيرة.
لأنه عندما تُفصل القضية عن عمقها القومي والإسلامي، يصبح من الأسهل تبرير التنازلات، وتقديم الحلول الجزئية، والحديث عن فلسطين بوصفها "نزاعاً" يمكن إدارته، لا "احتلالاً" يجب إنهاؤه.
*فلسطين ليست قضية قُطر*
إن التمثيل الفلسطيني هو تمثيل لأهل فلسطين في إدارة نضالهم وصمودهم اليومي.
وهذا حق مشروع.
ولكن هذا التمثيل لا يمكن أن يعني بأي حال من الأحوال حق الانفصال عن الأمة، أو التفريط بأي جزء من أرض فلسطين.
ففلسطين ليست عقاراً.
هي *أمانة حضارية*، ووقف إسلامي، وقضية قومية مركزية.
المسجد الأقصى لا يخص الفلسطينيين وحدهم، كما أن مكة والمدينة لا تخص أهل الحجاز وحدهم.
ومن هنا فإن أي قرار مصيري يتعلق بفلسطين لا يمكن أن يُتخذ بمعزل عن الأمة العربية والإسلامية.
*نحو مشروع جامع*
إن الخروج من هذا المأزق يتطلب العودة إلى الأصل.
العودة التي تعيد للقضية الفلسطينية موقعها الطبيعي في وجدان الأمة وسياساتها.
وهذا يستدعي مشروعين متكاملين:
*أولاً: مشروع عروبي نهضوي*
يُعيد الاعتبار لفكرة الأمة الواحدة، ويكسر الحواجز النفسية والسياسية التي صنعها سايكس بيكو.
مشروع يرى في قضايا الأمة قضايا مشتركة، وفي مصيرها مصيراً واحداً.
*ثانياً: مشروع إسلامي جامع*
يذكّر بأن فلسطين هي قضية عقيدة وتاريخ، وأن تحريرها مسؤولية جماعية.
فهي أولى القبلتين وثالث الحرمين، وهي الأرض التي بارك الله حولها.
*خاتمة*
لا تحرير لفلسطين بمنطق "القُطر" وحده، ولا صمود بمعزل عن الأمة.
وإذا أردنا أن ننتصر، فعلينا أن نعيد القضية من إطارها الضيق إلى إطارها الطبيعي:
*قضية أمة تبحث عن حريتها وكرامتها ووحدتها*.
آن الأوان أن ننتقل من منطق "التمثيل القطري" الذي فرضته علينا معاهدات ما بعد الحربين،
إلى منطق "التمثيل الحضاري" الذي تمليه علينا الجغرافيا والتاريخ والدين.