قائمة الموقع

بالصور فراس يستعيد حياته بطرف صناعي.. من البحث عن كيس طحين إلى العمل شيفًا في غزة

2026-08-31T18:39:00+03:00
فراس دياب
شمس نيوز - نضال أبو شربي

داخل مطبخ أحد مطاعم مدينة غزة، يقف فراس دياب بين أواني الطبخ وأدوات إعداد الطعام، يتحرك من مكان إلى آخر ويشارك في تجهيز الوجبات؛ قد تبدو الصورة عادية للوهلة الأولى، لكنها بالنسبة إليه تختصر رحلة طويلة بدأت بإصابته وفقدانه إحدى قدميه، وانتهت بعودته إلى العمل والاعتماد على نفسه.

قبل أشهر، كان فراس يجد صعوبة في مغادرة المكان الذي يقيم فيه، بعد أن أفقدته الإصابة القدرة على الحركة والعمل؛ أما اليوم، فيقف لساعات داخل المطبخ مستخدمًا طرفًا صناعيًا، محاولًا تأمين مصدر رزق لأطفاله.

لم تكن إصابته نتيجة حادث عابر، بل وقعت بينما كان يبحث عن الطحين لأسرته خلال فترة شهد فيها قطاع غزة نقصًا حادًا في الغذاء.

رحلة الطحين التي انتهت بالبتر

لم يتوقع فراس -من سكان حي التفاح في منطقة الزرقة شمال مدينة غزة- أن تنتهي رحلته بحثًا عن كيس من الطحين بفقدانه إحدى قدميه.

وكان فراس قد خرج من منزله متجهًا إلى منطقة الشجاعية، وتحديدًا منطقة "دوَّار الكويت"، حيث كان الناس يتجمعون بحثًا عن الطحين والمواد الغذائية، وبينما كان يحاول الحصول على ما يكفي أسرته، أصابت قذيفة المكان، فأصيب إصابة بالغة أدت إلى بتر إحدى قدميه.

يقول فراس: "سبب إصابتي كان المجاعة اللي صارت في غزة، في تلك الفترة ما كان فيه طحين، والناس كلها كانت بتدور على لقمة العيش. رحت على الشجاعية، على منطقة الكويت، عشان أجيب طحين لأهل البيت. هناك خبطت علينا قذيفة وأصبت."

ويضيف: "أنا ما كنت لحالي.. كل غزة كانت بتدور على الطحين والطعام. الناس كانت مضطرة تخرج وتخاطر بحياتها عشان تجيب لقمة لأهلها. وأنا كنت رايح عشان أوفر لأهلي، لكن رجعت مصاب وفاقد طرف من جسمي."

كانت المفارقة قاسية؛ خرج بحثًا عن الطعام لعائلته، فعاد بحاجة إلى من يساعده على الحركة وتأمين احتياجاته الأساسية.

من الاستقلال إلى الاعتماد على المساعدات

قبل الإصابة، كان العمل جزءًا أساسيًا من حياة فراس. كان يخرج يوميًا لتأمين رزقه، ويعود بما يحتاجه أطفاله، ويعتمد على نفسه في تدبير شؤون أسرته، لكن الإصابة قلبت هذه الحياة رأسًا على عقب.

يقول فراس: "قبل الإصابة كنت أشتغل والحمد لله، وأدخل رزقة لأولادي. كنت أطلع وأروح وأجيب احتياجات البيت، وأتحرك بشكل طبيعي. بعد الإصابة ما عدت أقدر أطلع ولا أروح ولا أشتغل."

لم يعد الخروج من المنزل أو الوصول إلى السوق وشراء مستلزمات الأسرة أمورًا بسيطة. حتى المهام اليومية التي كان يؤديها دون تفكير أصبحت تتطلب مساعدة الآخرين.

ويتابع: "الحياة صارت صعبة جدًا بعد الإصابة. كنت متعود أشتغل وأعتمد على حالي، وفجأة صرت محتاج لغيري. صرت أعتمد على المساعدات اللي بتيجي من المؤسسات والجمعيات، وهذا كان أصعب شيء بالنسبة إلي."

ولم يكن فقدان الطرف هو التحدي الوحيد، إذ ارتبطت الإصابة بخسارة القدرة على العمل وتأمين دخل الأسرة.

ويقول: "أصعب شيء كان إني ما أقدر أتحرك زي قبل. كنت أشوف الناس تروح وتيجي وأنا مش قادر أعمل اللي كنت أعمله. كنت أفكر في أولادي وكيف بدي أوفر لهم احتياجاتهم وأنا مش قادر أشتغل."

الطرف الصناعي.. خطوة نحو استعادة الحركة

بعد نحو خمسة أشهر من الإصابة، تلقى فراس اتصالًا من مركز الأطراف الصناعية في قطاع غزة، الذي كان يعمل في ملعب اليرموك.

توجه إلى المركز، وبدأ برنامجًا للعلاج الطبيعي والتأهيل، قبل تقييم حالته وتسجيله للحصول على طرف صناعي.

يقول: "بعد الإصابة بحوالي خمسة أشهر، جاءني اتصال من مركز الأطراف الصناعية في غزة، وكان موجودًا في ملعب اليرموك. رحت على المركز وبدأت العلاج الطبيعي والتأهيل. وبعد ما خلصت العلاج الطبيعي قالوا لي إنهم سجلوني للحصول على طرف صناعي."

بالنسبة لفراس، لم يكن التسجيل للحصول على الطرف الصناعي مجرد إجراء طبي، بل كان بداية لاحتمال استعادة قدرته على الحركة والعمل.

ويقول: "لما سمعت إنهم سجلوني لطرف صناعي، فرحت كثير. كنت أشوف ناس مركبين أطراف وبيمشوا وبيشتغلوا وبيتحركوا، وقلت بيني وبين نفسي: يمكن أرجع لحياتي الطبيعية. هذا الشيء طمني وأعطاني أمل."

وبعد نحو شهر، تلقى اتصالًا آخر لإبلاغه بأن الطرف الصناعي أصبح جاهزًا؛ لكن الحصول عليه لم يكن نهاية رحلة التأهيل.

أولى الخطوات.. من العكازات إلى المشي

في الأيام الأولى، احتاج فراس إلى التدريب على الوقوف والحركة والتوازن. بدأ باستخدام العكازات، ثم أخذ يتدرج في الاعتماد على الطرف الصناعي.

ويروي: "لما استلمت الطرف الصناعي، بالبداية كان الموضوع صعب. وقفوني ودربوني، ومشيت خطوتين أو ثلاث، وكنت بحاجة للعكازات. لكن بعد يومين أو ثلاثة، والحمد لله، بدأت أمشي بشكل أفضل، وتركت العكازات وصرت أتحرك لحالي."

كانت تلك الخطوات القليلة بالنسبة إليه أكثر من مجرد تمرين على المشي؛ فقد أعادت فتح الطريق أمامه إلى تفاصيل حياته اليومية.

يقول: "بعد ما ركبت الطرف الصناعي، صرت ألبي حاجتي بإيدي. أروح أعبي مي، وأروح على السوق وأجيب مستلزمات البيت. صرت أتحرك وأروح وأجي، وما أحتاج في كل شيء لحد يساعدني."

استعادة الحركة أعادت إلى فراس شيئًا كان قد فقده بعد الإصابة: القدرة على الاعتماد على نفسه.

من التأهيل إلى العمل

لم يكتف فراس بقدرته الجديدة على الحركة، بل حاول تحويلها إلى فرصة للعمل، فبدأ بأعمال بسيطة ومتفرقة، من بينها جمع الحطب والأخشاب والعمل في الأسواق، قبل أن يحصل على فرصة للعمل في أحد مطاعم مدينة غزة.

داخل المطبخ، يقف فراس لساعات ويتنقل بين أماكن إعداد الطعام ويشارك في تجهيز الوجبات. العمل يتطلب الوقوف والحركة المستمرة، وهي مهمة ليست سهلة لمن يستخدم طرفًا صناعيًا، لكنه استطاع تدريجيًا التأقلم معه.

يقول: "بعد ما ركبت الطرف الصناعي، ما بدي أضل في البيت أو أعتمد على المساعدات. بدي أشتغل وأجيب رزقتي بإيدي. اشتغلت في أكثر من شيء، وجمعت حطب، واشتغلت في السوق، وبعدها لقيت فرصة في مطعم وصرت أشتغل شيف."

ويضيف: "الشغل مش سهل، خصوصًا إن الواحد بيضل واقف وبيتحرك، لكن الحمد لله قدرت أتأقلم مع الطرف الصناعي. اليوم بروح على المطعم وبشتغل وبحاول أوفر رزقة لأولادي."

الطرف الصناعي ليس نهاية القصة

بالنسبة لفراس، لا يختصر الطرف الصناعي في كونه وسيلة للمشي. فقد أصبح جزءًا من طريقه نحو استعادة الاستقلال والعودة إلى العمل.

يقول: "أنا فقدت طرف من جسمي، لكن ما فقدت إرادتي. الطرف الصناعي ساعدني على الوقوف والمشي، لكن الإرادة هي اللي ساعدتني أرجع أشتغل وأعيش."

اليوم، يستطيع فراس الخروج إلى السوق، وجلب المياه ومستلزمات منزله، والبحث عن رزقه، ثم الوقوف في مطبخ المطعم والعمل لساعات.

لكن الطريق لم يكن سهلًا؛ فقد احتاج إلى إصابة شديدة، ثم أشهر من الانتظار والتأهيل والتدريب، قبل أن يبدأ باستعادة قدرته على الحركة والعمل.

بدأت الحكاية برحلة بحث عن الطحين، في وقت كانت فيه لقمة الخبز شديدة الصعوبة على كثير من سكان قطاع غزة. خرج فراس ليؤمن الطعام لأسرته، فعاد مصابًا وفاقدًا إحدى قدميه.

وبعد أشهر من الألم والعجز، جاء الطرف الصناعي ليمنحه فرصة جديدة للحركة. ثم تحولت الحركة إلى وسيلة للعودة إلى العمل، من جمع الحطب والأعمال المتفرقة، إلى الوقوف اليوم داخل مطبخ أحد مطاعم غزة شيفًا.

لم يستعد فراس ما فقده من جسده، لكنه استعاد شيئًا آخر؛ قدرته على الحركة والعمل والاعتماد على نفسه.

وفي مكان تتداخل فيه الإصابة مع فقدان الدخل وتراجع فرص العمل، أصبحت تجربته مثالًا على أن إعادة التأهيل والأطراف الصناعية لا تتوقف أهميتها عند استعادة القدرة على المشي، بل يمكن أن تكون خطوة نحو استعادة الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي للمصابين.

فراس لم يعد يريد أن يكون متلقيًا للمساعدة فقط. يريد أن يعمل، ويعيل أطفاله، ويعيش بما يستطيع.

وربما لهذا السبب، فإن الخطوات التي بدأها بالعكازات لم تكن مجرد خطوات على طريق المشي، بل كانت خطوات أولى على طريق العودة إلى الحياة.

اخبار ذات صلة