عند أبواب المسجد الأقصى، تبدأ رحلة المصلين وسط إجراءات أمنية مشددة. جنود الاحتلال ينتشرون في محيط المسجد والبلدة القديمة، ويدققون في هويات المصلين ويفتشونهم، ويمنعون بعضهم من الدخول أو يحتجزونهم لساعات تحت ذرائع أمنية، فيما تتراجع أعداد المصلين داخل ساحات الأقصى، خاصة القادمين من الضفة الغربية.
أما اقتحامات المستوطنين للمسجد فتتم بحماية شرطة الاحتلال، مع تصاعد أداء الصلوات والطقوس الدينية داخل ساحاته، في مشهد يتكرر بصورة متزايدة، بالتزامن مع دعوات إسرائيلية لتوسيع الاقتحامات وإدخال أدوات وطقوس دينية جديدة إلى الأقصى، ما يثير مخاوف المقدسيين من خطوات تمهد لفرض واقع ديني جديد داخل المسجد.
وترافق شرطة الاحتلال اقتحامات المستوطنين للمسجد، وتحمي تجولهم في ساحاته وأداءهم صلوات وطقوسا تلمودية بشكل علني، إلى جانب رفع علم إسرائيل أمام قبة الصخرة، في انتهاك متواصل للوضع التاريخي والقانوني القائم، الذي يؤكد أن الأقصى مكان عبادة خالص للمسلمين وتديره دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس.
وتطورت الأمور مؤخرا لتصبح أكثر خطورة، وذلك بعد سماح الاحتلال للمستوطنين بإدخال كتب الصلاة اليهودية الكاملة المعروفة باسم "السيدور"، بعدما كان الأمر مقتصرا على أوراق صغيرة تتضمن نصوصا دينية، حيث أصبح المستوطنون يؤدون صلواتهم ويسجدون داخل ساحات المسجد ومقابل قبة الصخرة.
وتزامن ذلك مع ارتفاع دعوات إسرائيلية للسماح بإدخال "الشوفار"، أو ما يعرف بالبوق اليهودي، والنفخ فيه داخل الأقصى خلال رأس السنة العبرية.
ورسميا، طالب رئيس لجنة الدستور في الكنيست، سيمحا روتمان، رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بفتح المسجد الأقصى أمام اقتحامات المستوطنين يوم السبت والسماح بالنفخ في البوق خلال الأعياد المقبلة.
وزادت مخاوف المقدسيين بعدما قام بن غفير أمس باقتحام المسجد برفقة حاخامات ومستوطنين، وأدى صلوات وطقوسا داخله، في خطوة اعتبرتها محافظة القدس محاولة جديدة لفرض وقائع دينية وسياسية مختلفة داخل الأقصى.
وتزداد حساسية الأوضاع مع اقتراب رأس السنة العبرية بين 11 و13 أيلول المقبلين، ويوم الغفران في 20 و21 من الشهر ذاته، ثم عيد العرش الذي يبدأ في 25 أيلول ويمتد إلى مطلع تشرين الأول، وهو ما تستغله ما تعرف بجماعات "الهيكل" موسما لحشد أعداد كبيرة من المستوطنين وتنظيم اقتحامات موسعة، بالتزامن مع تشديد القيود على دخول المسلمين خلال تلك الفترة.
ويرى المقدسيون أن ما يجري ليس مجرد زيارات عابرة، إنما انتقال تدريجي من الاقتحام إلى ممارسة الصلاة، ثم إدخال الكتب والأدوات الدينية ومحاولة تثبيت طقوس يهودية دائمة، بما يمهد لتقسيم المسجد زمانيا ومكانيا، على غرار ما جرى في المسجد الإبراهيمي بمدينة الخليل.
ورغم ما يجري يوميا في المسجد، يعرب المقدسيون عن أمنياتهم بأن تعود الحياة الطبيعية إلى المسجد الأقصى، وأن تمتلئ ساحاته مجددا بالمصلين وحلقات القرآن ودروس العلم، بعيدا عن الحواجز والاقتحامات والمظاهر العسكرية التي يقيمها الاحتلال.
فالأقصى، بالنسبة إليهم، ليس ساحة للصراع أو مكانا لفرض الوقائع السياسية، وإنما مسجد إسلامي ومكان للصلاة والسكينة والعبادة.
ويتمنى المقدسيون أن يعود المسجد الأقصى إلى ما كان عليه قبل أن يحوله الاحتلال الإسرائيلي إلى ثكنة عسكرية ومكان للاقتحامات المتكررة من المستوطنين، بل ومطمعا كبيرا لإقامة كنيس يهودي بالقرب من قبة الصخرة.
ويريده المقدسيون مسجدا عامرا بأهله وبالصلاة والقرآن، بعيدا عن الاحتلال وقيوده ومستوطنيه.